السؤال
رجل يهجر زوجته الثانية بين فترة وأخرى من غير سبب، ولا ينفق عليها ولا يعطيها شيئًا، ولا يتصل بها ولا يهتم بها، ولا يزورها إلا إذا أعطته نفقات السفر. ثم بعد مدة يعود فيسأل عنها سؤالًا عابرًا عبر الهاتف، وأحيانًا لا تجيبه. وهي تسكن في مدينة أخرى بمفردها.
فهل يجب عليها أن تستأذنه إذا أرادت الخروج من منزلها، سواء عاد إليها واستأنف الحياة الزوجية معها، أم استمر في هجرها؟ وماذا يجب عليها أن تفعل في هذه الحال؟
الإجابة
هذه المسألة فيها تفصيل؛ لأن للزوج حقوقًا، وللزوجة حقوقًا كذلك، ولا يجوز لأحد الزوجين أن يضيِّع حق الآخر.
أولًا: ما يفعله الزوج من الهجر وترك النفقة
إذا كان الأمر كما ذكرتِ: أنه يهجر زوجته الثانية من غير سبب معتبر، ولا ينفق عليها، ولا يسأل عنها إلا قليلًا، ولا يأتيها إلا إذا دفعت له نفقات سفره، فهذا ليس من المعاشرة بالمعروف، والواجب عليه أن يتقي الله تعالى، وأن يقوم بحق زوجته من النفقة والسكنى والمعاشرة والقَسْم بالمعروف، ولا سيما إذا كان له أكثر من زوجة؛ فالعدل بين الزوجات واجب.
إلا إن كان قد اشترط عليها أمرًا معينا أو خيرها بين أمرٍ تصبر عليه وبين الطلاق فاختارت الصبر فله ما تفقا عليه.
قال العلامة ابن باز: الواجب على الزوج أن يتقي الله، وأن يعدل، وقد قال النبي ﷺ: من كان له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل.
فالعدل واجب في النفقة بينهما والمساواة بينهما في القسمة، فإذا جار على السائلة هذا عليه إثم في ذلك، إلا إذا كان خيّرها بين الطلاق وبين الصبر فلا حرج عليه، إذا خيّرها واختارت البقاء معه على ظلمه، وعدم عدله فلا بأس عليه إذا خيّرها. ا. هـ
والنفقة واجبة على الزوج بحسب قدرته وحال الزوجة، وتشمل ما تحتاج إليه من الطعام والكسوة والسكن ونحو ذلك. فإذا امتنع الزوج عن الإنفاق، فللزوجة أن تطالبه بحقها، ولها عند تعذر حصولها على النفقة أن ترفع أمرها إلى القضاء للنظر في إلزامه بها أو التفريق بينهما بحسب الحال.
ثانيًا: هل يلزمها استئذانه في الخروج؟
إذا كانت لا تزال في عصمته، فالأصل أن خروج الزوجة من بيت الزوجية لا يكون إلا بإذن زوجها، ولو كان الزوج مقصرًا في بعض حقوقها؛ لأن تقصيره لا يسقط جميع حقوقه بمجرد ذلك.
لكن الحالة المذكورة تحتاج إلى معرفة وضعها بدقة: فإن كانت تسكن في مدينة أخرى وحدها، ولم يوفر لها الزوج المسكن والنفقة، أو تركها معلقة لا هي زوجة مستقرة معه ولا هي مطلقة، فهنا يكون للزوجة حق المطالبة بحقوقها ورفع الضرر عنها.
فإن احتاجت إلى الخروج لحاجة معتبرة، أو لتحصيل نفقتها، أو لقضاء أمر لا بد منه، ولم يكن الزوج قائمًا بحقوقها، فلا ينبغي أن تُترك معلقة يتضرر حالها بحجة الإذن فقط، بل تسعى إلى حل وضعها عن طريق أهلها وأهل الخير، فإن لم يستجب الزوج، فلها رفع الأمر إلى جهة القضاء الشرعي.
ثالثًا: إذا استمر على هذا الحال، فماذا تفعل؟
أنصحها ألا تمتنع عن الرد عليه لمجرد أنه قصر معها، بل تحاول أولًا إصلاح الأمر بصورة واضحة، فتطلب منه أن يقوم بحقوقها: النفقة، والزيارة، والمعاشرة بالمعروف، والقيام بما يجب عليه تجاهها.
فإن استجاب وأصلح الحال، فالحمد لله.
وإن استمر في تركها بلا نفقة ولا معاشرة ولا اهتمام، فلها أن تطلب تدخل أهل الحكمة والإصلاح، فإن لم ينفع ذلك، فلها أن تطلب التفريق أو الفسخ بسبب الضرر وعدم النفقة، ولا يلزمها أن تبقى معلقة إلى غير نهاية، وأما إن كانت راضية بوضعها هذا أو هي على اتفاق معه من أول الأمر حول هذه الأمور فالأمر آخر.
والله تعالى أعلم.