السؤال
ما حكم الدراسة الجامعية؟ وهل نترك الدراسة بسبب الاختلاط؟ وكيف سيخرج المهندسون والأطباء وغيرهم، مع أنه لا تكاد توجد جامعة إلا وفيها اختلاط؟
الإجابة
الجواب:
لا يجوز للرجال ولا للنساء الدراسة في الجامعات المختلطة؛ لما يترتب عليه من مفاسد وشرور عظيمة، ولا سيما في زماننا الذي كثرت فيه الفتن، وضعف فيه الوازع الديني، وانتشرت فيه أسباب الفساد.
والمرأة في هذا الباب أشد وأولى بالمنع؛ لما يترتب على الاختلاط من الفتنة، والنظر المحرم، والتوسع في الكلام، والتعارف والعلاقات بين الرجال والنساء، وغير ذلك مما قد يبدأ بأمر يسير ثم يتدرج بصاحبه حتى يقع فيما لا تحمد عقباه.
ولهذا لا ينبغي التساهل في أمر الاختلاط، ولا أن يقال: إن الإنسان يستطيع أن يضبط نفسه؛ فإن الشريعة جاءت بسد أبواب الفتنة، والإنسان قد يظن أنه قادر على ضبط نفسه، ثم لا يلبث أن يتدرج به الأمر شيئًا فشيئًا، والفتنة إذا دخلت على الإنسان كان الخلاص منها أصعب مما يتصور.
وقد سئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: ما حكم الدراسة في الجامعات المختلطة؟ فقال: "والله إذا أمكن أن تعيش المرأة بدونها أو الرجل بدونها فليفعل، وإذا لم يمكن فالواجب أن يتحرز من الجلوس إلى المرأة، وأن يغض الطرف، وأن يكون هذا كالمكره، كما أنا ندخل السوق وفيه نساء متبرجات ويزاحمن الرجال، بل في الطواف في المسجد الحرام، فالشيء الذي لا بد منه يجب على الإنسان أن يحترز من الوقوع في المحرم، ويعفو الله عنه". ا. هـ
وعليه: فمن كان يستطيع أن يدرس في جامعة غير مختلطة، أو في قسم منفصل، أو أن يحصل على التخصص بطريق مباح فلا بأس، وأما أن يدرس في جامعة مختلطة فلا ينبغي له ذلك، لما تقدم ذكره.
أما من ابتُلي بالدراسة في جامعة مختلطة، وقد دخل فيها بالفعل، فإن استطاع أن يتركها لله فهو خير له وسيبدله الله ما هو خير له.
ومن لم يستطع الخروج منها إلا مع حصول ضرر عليه، أو لم يجد طريقًا آخر لإكمال دراسته، فعليه أن يتقي الله تعالى، وأن يلتزم بالضوابط الشرعية قدر استطاعته؛ فيغض بصره، ويتجنب الخلوة، ويتجنب الحديث مع النساء، ولا يقيم العلاقات المحرمة، ولا يتساهل في المزاح والمراسلات والتعارف، ويلتزم بالآداب الشرعية، ويجعل اختلاطه بقدر ما تدعو إليه الحاجة، والله يعفو عنه.
وأما قول بعض الناس: إذا تركنا الجامعات المختلطة، فكيف سيخرج الأطباء والمهندسون وغيرهم؟ فهذا ليس مبررًا لارتكاب المنكر؛ فإن حاجة المسلمين إلى الأطباء والمهندسين وغيرهم لا تجعل الاختلاط المحرم مباحًا، ولا يجوز للإنسان أن يرمي بنفسه في أبواب الفتن والشرور، ثم يقول: لا بد من ذلك لمصلحة المسلمين.
ثم إن الفرض الكفائي لا يلزم أن يقوم به كل أحد، وليس كل الناس مكلفين بأن يدخلوا في البيئات التي تشتمل على المحرمات من أجل تحصيل هذا الفرض، بل يقوم به من يستطيع القيام به مع المحافظة على دينه.
وهذا المعنى قرره الشيخ الألباني رحمه الله في كلامه عن الفرض الكفائي، حيث قسم الناس إلى أقسام، وذكر أن المسلم المتقي الذي لا يستطيع دخول هذه البيئات إلا مع مخالفة الشرع ليس مطالبًا بأن يوقع نفسه في المخالفة بحجة تحقيق فرض كفائي؛ لأن هذا الواجب سيقوم به غيره ممن يتأول أو يتساهل أو لا يبالي بالمخالفة، فلا يُطلب من صاحب الدين أن يضحي بدينه من أجل القيام بما هو فرض على الكفاية.
قال العلامة الألباني: من جهة أخرى إذا كان لا بدَّ من تحقيق أو من أن يكون هناك ناس يقومون ويسدُّون هذا الفراغ من الفرض الكفائي ؛ فأنا أنظر إلى الناس أنهم ثلاثة أقسام من المسلمين دون الكافرين ؛ فهناك مسلم صادق في إسلامه متَّقي لربِّه ؛ فهذا ليس به ضرورة أن يأتي ويحضر مكان باعترافه فيه مخالفة للشريعة بحجَّة أنُّو هو يريد أن يحقِّق فرضًا كفائيًّا ، هذا العمل سيقوم به القسم الثاني من المسلمين ، هذا القسم الثاني إما أن يكون لا يهتم كثيرًا بالابتعاد عن المخالفات الشرعية ، أو يهتم لكن له تأويلات لا نرى نحن من الصواب مطلقًا بمكان ؛ فهؤلاء سيقومون بهذا الواجب بطبيعة الحال ، ويلي هؤلاء - وهم أكثر - القسم الثالث الذي لا يحرِّم ولا يحلِّل ، وغايته فقط الوصول إلى وظيفة كما قلنا ، وإذا كان الكلام الآن بالنسبة للبنات فالقسم الأول من الفتيات المؤمنات سوف يَستعفِفْنَ عن القيام بهذا الواجب الكفائي ؛ لأن الله ما كلَّفهنَّ بأعيانهنَّ أن يقُمْنَ بهذا الواجب ، وفي الطريق إليه مزالق ومخالفات شرعية .
القسم الثاني سيقوم بهذا الواجب إما معذورًا بأن يكون له وجه تأويل هو مقتنع به كما نسمع من بعض الكُتَّاب المسلمين اليوم أو دعاة إسلاميين ، أو القسم الثالث الذي لا يبالي بأنُّو هذا حرام وهذا حلال ؛ فستحقَّق إذًا الفريضة الكفائية بطريق غير طريقنا نحن الذين نحرص على المحافظة على شرفنا وعلى ديننا وأعراضنا . ا. هـ كلامه رحمه الله من تسجيلات متفرقة - شريط رقم : 225
وهنا سؤال مهم؛ وهو: كيف يسعى الإنسان في صلاح دنيا غيره على حساب صلاح دينه؟
وكيف يعرض نفسه للفتن والشرور، وربما جرَّه ذلك إلى فساد عقيدته أو أخلاقه أو دينه، بحجة أنه يريد أن يصبح طبيبًا أو مهندسًا لينفع المسلمين؟
إن نفع المسلمين مطلوب، لكن لا يكون بطريق يفسد به الإنسان نفسه.
وليس معنى ترك بعض الصالحين لهذه المجالات أن المسلمين سيبقون بلا أطباء أو مهندسين، بل سيجعل الله من يقوم بهذه المصالح.
والواجب أن يسعى المسلمون وولاة الأمور إلى إيجاد مؤسسات تعليمية منفصلة، وإعداد الرجال للرجال والنساء للنساء، حتى تتحقق مصالح المسلمين من غير الوقوع في المحرمات.
والله تعالى أعلم.