الموقع الرسمي للشيخ أبي عبدالرحمن خليل الحمادي
الفتاوى · الأحكام · المسائل

ابحث عن الحكم، بوضوح وطمأنينة.

تصفح الفتاوى والمسائل العلمية المصنفة لتصل إلى الإجابات والمحتوى الذي تبحث عنه بسهولة ويسر.

← العودة إلى الفتاوى
رقم الفتوى #0048

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ما حكم زيارة النساء للقبور؟

الإجابة

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته زيارة النساء للقبور مسألة اختلف فيها أهل العلم، فمنهم من أجازها بضوابط، ومنهم من كرهها، ومنهم من ذهب إلى تحريمها، وهو قول عند الحنفية، وقول عند الشافعية، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، والشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين رحمهم الله، وهو القول الراجح، والله أعلم. ودليل ذلك ما ثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: ((لعن الله زوَّارات القبور))، رواه الترمذي وابن ماجه وصححه الألباني في الإرواء. ووجه الدلالة: أن النبي ﷺ لعن زوَّارات القبور، واللعن لا يكون إلا على فعل محرم، فدل ذلك على تحريم زيارة النساء للقبور. وقد حمل بعض أهل العلم الحديث على النساء اللاتي يكثرن زيارة القبور، لكن الأظهر أن النهي يتناول أصل الزيارة؛ لأن لفظ الحديث وإن كان بصيغة المبالغة، فقد جاء في بعض الروايات بلفظ: "لعن الله زائرات القبور"، ولأن العبرة باتحاد المعنى. ويؤيد ذلك أن زيارة النساء للقبور مظنة لوقوع بعض المحاذير الشرعية؛ لما قد يترتب عليها من شدة الجزع وقلة الصبر، وما قد يصاحب ذلك من البكاء والندب والنياحة، أو تأذي الميت ببكائها، وكذلك ما قد يحصل من افتتان الرجال بصوتها أو هيئتها عند اجتماع النساء بالرجال في المقابر. وهذه المفاسد وإن لم تتحقق في كل امرأة، إلا أن الشريعة قد تمنع بعض الأمور إذا كانت وسيلة إلى محرم، ولا سيما إذا كانت الحكمة التي من أجلها شرع الحكم غير منضبطة ولا يمكن تحديدها تحديدًا دقيقًا؛ فيُعلَّق الحكم بمظنتها، سدًّا للذريعة. قال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى (24/ 355): الْجَوَابُ الْخَامِسُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّلَ الْإِذْنَ لِلرِّجَالِ بِأَنَّ ذَلِكَ يُذَكِّرُ بِالْمَوْتِ وَيُرَقِّقُ الْقَلْبَ وَيُدْمِعُ الْعَيْنَ هَكَذَا فِي مُسْنَدِ أَحْمَد، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا فُتِحَ لَهَا هَذَا الْبَابُ أَخْرَجَهَا إلَى الْجَزَعِ وَالنَّدْبِ وَالنِّيَاحَةِ لِمَا فِيهَا مِنْ الضَّعْفِ وَكَثْرَةِ الْجَزَعِ وَقِلَّةِ الصَّبْرِ. وَأَيْضًا فَإِنَّ ذَلِكَ سَبَبٌ لِتَأَذِّي الْمَيِّتِ بِبُكَائِهَا وَلِافْتِتَانِ الرِّجَالِ بِصَوْتِهَا وَصُورَتِهَا، وَإِذَا كَانَتْ زِيَارَةُ النِّسَاءِ مَظِنَّةً وَسَبَبًا لِلْأُمُورِ الْمُحَرَّمَةِ فِي حَقِّهِنَّ وَحَقِّ الرِّجَالِ وَالْحِكْمَةُ هُنَا غَيْرُ مَضْبُوطَةٍ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَحُدَّ الْمِقْدَارَ الَّذِي لَا يُفْضِي إلَى ذَلِكَ وَلَا التَّمْيِيزَ بَيْنَ نَوْعٍ وَنَوْعٍ. وَمِنْ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ أَنَّ الْحِكْمَةَ إذَا كَانَتْ خَفِيَّةً أَوْ غَيْرَ مُنْتَشِرَةٍ عَلَّقَ الْحُكْمَ بِمَظِنَّتِهَا فَيُحَرَّمُ هَذَا الْبَابُ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ كَمَا حَرَّمَ النَّظَرَ إلَى الزِّينَةِ الْبَاطِنَةِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْفِتْنَةِ وَكَمَا حَرَّمَ الْخَلْوَةَ بِالْأَجْنَبِيَّةِ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ النَّظَرِ وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَصْلَحَةِ مَا يُعَارِضُ هَذِهِ الْمَفْسَدَةَ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي ذَلِكَ إلَّا دُعَاؤُهَا لِلْمَيِّتِ وَذَلِكَ مُمْكِنٌ فِي بَيْتِهَا؛ وَلِهَذَا قَالَ الْفُقَهَاءُ: إذَا عَلِمَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ نَفْسِهَا أَنَّهَا إذَا زَارَتْ الْمَقْبَرَةَ بَدَا مِنْهَا مَا لَا يَجُوزُ مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ لَمْ تَجُزْ لَهَا الزِّيَارَةُ بِلَا نِزَاعٍ. ا. هـ وأما ما استُدل به على جواز زيارة النساء للقبور، كحديث عائشة رضي الله عنها في سؤال النبي ﷺ عما تقوله عند زيارة القبور، وحديث المرأة التي وجدها النبي ﷺ تبكي عند قبر، فيجاب عنه بأن هذه النصوص لا تنهض لمعارضة حديث النهي؛ إذ يمكن حملها على ما كان قبل النهي، أو أن غاية ما فيها تعليم المرأة الدعاء للميت، وليس فيها تصريح بإقرارها على قصد زيارة القبور. وعليه، فالراجح أنه لا يجوز للمرأة أن تقصد زيارة القبور، سواء كان القبر لأبيها أو أمها أو زوجها أو غيرهم، ولها أن تدعو للميت وتستغفر له من غير أن تذهب إلى قبره؛ فالدعاء للميت مشروع وينفعه بإذن الله. أما زيارة الرجال للقبور فهي سنة؛ لقوله ﷺ: ((كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها؛ فإنها تذكركم الآخرة))، رواه مسلم عن بريدة بن الحصيب والخلاصة: زيارة القبور مشروعة للرجال، وأما النساء فالراجح تحريم الزيارة في حقها؛ لورود اللعن في حق زائرات القبور، ولما فيها من سد ذرائع الفتنة والجزع والنياحة. والله تعالى أعلم.
● مباشر /
إذاعة القرآن الكريم من بني حماد