السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
امرأة أرادت أن تقسّم مالها بين أبنائها حسب نصيب كل واحد منهم في الميراث، وهي لا تزال على قيد الحياة، فهل يجوز لها ذلك؟
الإجابة
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
هذه المسألة تحتاج إلى التفصيل:
أولًا: لا يصح تقسيم التركة بين الورثة قبل الوفاة على سبيل الميراث، ولا يجوز اعتباره ميراثًا؛ لأن صاحبة المال لا تزال حية، والحي لا يُورث، وملكها باقٍ على أموالها، ولها التصرف فيها بالطرق المشروعة.
وإنما يستحق الورثة الميراث بعد موت صاحب المال وزوال ملكه عن أمواله، ومن أهم شروط استحقاق الميراث: تحقق موت المورِّث حقيقةً يقينًا، أو حكمًا؛ كالمفقود الذي يحكم القاضي بموته بعد مضي المدة التي يُحكم فيها بموته.
وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: 12]، فجعل استحقاق الميراث فيما تركه الميت، ولا يكون الشيء تركةً إلا بعد وفاته.
فإذا تحقق موت المورث، حُصرت تركته، وعُرف الورثة المستحقون حينئذ، ثم قُسمت التركة بينهم حسب أنصبتهم الشرعية.
ثانيًا: أن يوزع الإنسان ماله في حياته على أولاده أو غيرهم على سبيل الهبة، فهذا من حيث الأصل جائز إذا استوفت الهبة شروطها الشرعية، وقبض الموهوب له ما وهب له في حياة الواهب.
وتوزيع المال في حياة الإنسان على أولاده وورثته، وإن كان جائزًا، وقد أجازه بعض أهل العلم، ومنهم العلامة ابن باز والعلامة صالح الفوزان رحمهما الله، فإننا لا نوصي به؛ بل ترك ذلك أولى وأحوط وأكمل؛ لأمور:
1. أنه لا يدري من يبقى بعده ومن يموت قبله؛ فقد يعطي أولاده اليوم على أنهم سيكونون ورثته، ثم يموت بعضهم قبله، فتتغير الحال.
2. أنه لا يدري ما يحدث بعد ذلك من تغير الورثة؛ فقد يولد له ولد، أو يتزوج، أو يموت أحد من أولاده، فتختلف أنصبة الورثة عند وفاته.
3. أنه قد يحتاج إلى ماله بعد ذلك؛ فقد يطول عمره، أو يصاب بمرض، أو تنزل به حاجة شديدة، فإذا كان قد أعطى ماله كله لم يجد ما ينفقه على نفسه.
4. أن إبقاء المال في ملكه يجعله أقدر على القيام بحاجاته وحاجات من تلزمه نفقتهم، وعلى صلة رحمه والصدقة وفعل الخير.
5. أن توزيع المال كله قد يضعف بر بعض الأولاد به؛ إذ قد يظن بعضهم أنه قد أخذ حقه وانتهى الأمر، مع أن بر الوالدين واجب ما داما حيَّين.
وقد سُئل العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله: هل يجوز للإنسان أن يوزع ماله على الورثة في حياته؟
فأجاب رحمه الله: "هذا سفه في العقل"؛ لأنه إذا وزعه في حياته، فهل يعرف أن هؤلاء الذين وزع عليهم هم الذين يبقون بعده؟ أليس من الجائز أن يموتوا قبله، فكيف يوزع عليهم؟!
وثانيًا: إذا وزعه عليهم، وكانوا ممن لا يمكنه أن يرجع في هبته لهم، ثم احتاج إلى المال بعد ذلك، فهل يمكن أن يحتاج؟ نعم، يمكن أن يحتاج؛ فإذا كان قد وزع ماله ولم يبق عنده شيء، ثم احتاج والدراهم عند غيره، فإنه يبقى فقيرًا.
ولهذا نقول: هذا من السفه، انتظر الموت، والله يحسن الختام، إنما جاءك اليوم يأتيك غدًا.
وإذا قال: "أنا كبرت، فأوزعه"، فهذا خطأ.
فالله عز وجل قال: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: 12]، فجعل الله تعالى الميراث فيما تركه الإنسان، ولا يتركه الإنسان إلا إذا فارق الدنيا بالموت، حينئذ يقسم ماله.
وكما قلت لكم: أولًا: لا يدري هل هؤلاء يموتون قبله، أو يموت هو قبلهم.
وثانيًا: لا يدري، ربما احتاج في المستقبل؛ فهذا الكبير في السن لو أصيب بمرض يحتاج إلى آلاف الدراهم، فمن أين له المال إذا كان قد وزعه؟
فأنصحك: لا توزع لهم، انتظر، لا تدري ماذا يكون بعدها. انتهى كلامه بتصرف يسير.
ثالثًا: إذا أراد الرجل أو المرأة أن يهب ماله في حياته لأولاده، وجب عليه مراعاة أمور:
1. أن تكون هبةً حقيقية ناجزة في حياته، لا ميراثًا مؤجلًا إلى ما بعد وفاته؛ لأن الميراث لا يستحق إلا بعد الوفاة.
2. أن تتم الهبة والقبض في حياته؛ فلو مات قبل تمام الهبة وقبضها على الوجه المعتبر، دخل المال في تركته، وقُسم ميراثًا.
3. أن يعدل بين أولاده في الهبة؛ لقول النبي ﷺ: ((اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم)) متفق عليه عن النعمان، ويكون العدل في ذلك على القول الراجح أن توزع هذه الهِبةُ بيْنَ الأولادِ بقَدْرِ أنصِبَتِهم في الميراثِ، وهو مَذهبُ المالِكيَّةِ ، والحَنابِلةِ ، وقولُ محمَّدِ بنِ الحسَنِ مِن الحَنفيَّةِ ، وقولٌ عندَ الشَّافعيَّةِ ، وهو قَولُ بعضِ السَّلَفِ ، واختارَهُ ابنُ تَيميَّةَ ، وابنُ بازٍ ، والعُثَيمينَ ، وبه أفتتِ اللَّجنةُ الدَّائمةُ ؛ وذلك اقتِداءً بقِسمةِ اللهِ تعالى للمِيراثِ، وقياسًا لحالِ الحياةِ على حالِ الموتِ، وهو تَعجيلٌ لِمَا يَصِلُ إليهم بعدَ الموتِ؛ فأشبَهَ الميراثَ
قال شيخ الإسلام: "ويجِبُ التَّعديلُ في عَطيَّةِ أولادِه على حسَبِ مِيراثِهم"(الفتاوى الكبرى) (5/435).
4. ألا يقصد بالهبة الإضرار ببعض الورثة أو التحايل على أحكام الميراث، كأن يقصد إخراج المال من ملكه حتى يحرم بعض من سيستحق الميراث بعد وفاته.
5. ألا تكون الهبة في مرض الموت المخوف؛ لأن تصرف الإنسان في مرض الموت له أحكام الوصية، وليس كتصرف الصحيح في ماله.
6. أن يبقي لنفسه ما يحتاج إليه، ولا يعرض نفسه للفقر والحاجة، ولا يضيِّع من تلزمه نفقتهم.
والخلاصة:
لا يجوز أن يقسّم الإنسان ماله في حياته على أنه ميراث؛ لأن الميراث لا يكون إلا بعد الموت. وأما إعطاء المال في حياته فهو هبة، وليس ميراثًا، ويجوز في الأصل إذا استوفت الهبة شروطها الشرعية.
ومع ذلك، فإن الأولى للإنسان ألا يوزع جميع ماله في حياته على أولاده، بل يبقي ماله عنده وينتفع به في حياته، ويتصدق وينفق منه، فإذا مات قُسمت تركته على الورثة الموجودين حينئذ حسب شرع الله تعالى؛ فهذا أبعد عن الندم، وأحفظ للإنسان من الحاجة، وأضمن لوقوع الميراث في موضعه الذي شرعه الله.
والله تعالى أعلم.