السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، عفا الله عنك.
1/من غطى رأسه في الحج في أزمنة ١/متكررة ؛لظروف صحية،فهل تتكرر في حقه الفدية،أم أنها واحدة،وكذا قص الظفر كل يوم يقص ظفرا ومثله حلق الشعر وغيرها من المحظورات؟
2/من ترك سجود السهو عمداً،ما حكمه؟
3/قرأت التشهد الأول فلم أنتبه إلا قبل السلام فقمت لأكمل الصلاة فهل علي سجود سهو؟
الإجابة
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وعفا الله عنك.
السؤال الأول:
من غطى رأسه في الحج في أزمنة متكررة لظروف صحية، فهل تتكرر في حقه الفدية، أم أنها واحدة؟ وكذا قص الظفر كل يوم يقص ظفرًا، ومثله حلق الشعر وغيرها من المحظورات؟
الجواب:
من حلق شعره، أو قلم أظفاره، أو غطى رأسه، أو تطيب، أو لبس مخيطًا، وجبت عليه فدية الأذى، فيُخيَّر بين صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع، أو ذبح شاة، وهذا هو قول أكثر أهل العلم، وهو مذهب الأئمة الأربعة.
وإذا كرر المحرم محظورًا من جنس واحد، كأن لبس القميص ثم نزعه، ثم لبسه مرة أخرى، أو قلم أظفاره في أوقات متعددة، أو حلق شعره مرات، أو غطى رأسه مرات، ولم يُفدِ عن المحظور الأول، فإن الفدية تتداخل، وتكفيه فدية واحدة عن جميع ما فعله من ذلك الجنس.
أما إذا فدى عن المحظور الأول، ثم عاد فارتكب المحظور نفسه مرة أخرى، لزمته فدية ثانية؛ وهذا مذهب الحنابلة، وبه قال محمد بن الحسن الشيباني من الحنفية، وهو قول الشافعي في القديم، واختاره الشيخان ابن باز وابن عثيمين رحمهما الله.
واستدلوا لذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: 196].
ووجه الدلالة: أن الله تعالى أوجب لحلق الرأس فدية واحدة، ولم يفرق بين ما وقع من الحلق دفعة واحدة أو وقع على دفعات؛ والحلق لا يكون عادةً إلا شيئًا بعد شيء، فهو في الحقيقة محظورات متكررة من جنس واحد، ومع ذلك لم يوجب إلا فدية واحدة.
قال البهوتي رحمه الله في الروض المربع: "ومن كرر محظورًا من جنس واحد، بأن حلق، أو قلم، أو لبس مخيطًا، أو تطيب، أو وطئ، ثم أعاده، ولم يفدِ لما سبق، فدى مرة، سواء فعله متتابعًا أو متفرقًا؛ لأن الله تعالى أوجب في حلق الرأس فدية واحدة، ولم يفرق بين ما وقع في دفعة أو دفعات، وإن كفّر عن السابق ثم أعاده لزمته الفدية ثانيًا". ا. هـ
وعلى هذا، فمن قص أظفاره عدة مرات، أو حلق شيئًا من شعره مرات، أو لبس المخيط مرات، أو غطى رأسه مرات، وكانت المحظورات من جنس واحد، ولم يفدِ عن الأول، أجزأته فدية واحدة عن الجميع. فإن فدى عن الأول ثم ارتكب المحظور مرة أخرى، لزمته فدية أخرى.
لكن لا ينبغي للمحرم أن يتخذ هذا الحكم ذريعة للتحايل على الفدية، فيؤخر إخراجها عمدًا حتى يرتكب المحظور مرة بعد أخرى؛ فهذا ليس مما ينبغي للمسلم، وقد حذر أهل العلم من مثل هذا التحيل.
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: "إذا كرر الإنسان المحظور من جنس واحد، ففعله أكثر من مرة ولم يفدِ، فإنه يفدي مرة واحدة، لكن بشرط ألا يؤخر الفدية؛ لئلا تتكرر عليه، بحيث يفعل المحظور مرة أخرى، فيعاقب بنقيض قصده؛ لئلا يتحيل على إسقاط الواجب". ا. هـ
أما إذا كرر محظورات من أجناس مختلفة، كأن تطيب ثم لبس المخيط، ثم حلق شعره، فإن الفدية لا تتداخل، بل تلزمه فدية لكل جنس من المحظورات، وهذا باتفاق المذاهب الأربعة.
وأما فعل المحظور بسبب الجهل أو النسيان أو الإكراه، فلا فدية عليه على القول الراجح؛ لقوله تعالى:
﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286]، وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى قال: ((قد فعلت))، وثبت عنه صلى الله عليه وسلم: ((إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استُكرهوا عليه)).
قال الشيخ ابن باز رحمه الله: ((من فعل محظورًا من محظورات الإحرام، مثل قص الشعر أو الأظافر أو لبس المخيط، عالمًا بالتحريم ذاكرًا له، فعليه فدية ذلك، وهي إطعام ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع، أو ذبح شاة تجزئ في الأضحية، أو صيام ثلاثة أيام؛ لحديث كعب بن عجرة الثابت في ذلك، فإن كان ناسيًا أو جاهلًا فلا شيء عليه)).
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: ((إذا فعل شيئًا من محظورات الإحرام ناسيًا أو جاهلًا فلا شيء عليه، ولكن يجب عليه بمجرد ما يزول العذر أن يتخلى عن ذلك المحظور، والواجب تذكير الناسي وتعليم الجاهل)).
وعليه، فمن غطى رأسه في الحج مرارًا بسبب عذر صحي، فإن كان مضطرًا إلى ذلك، ولم يكن قادرًا على التخلص من تغطية الرأس، فهذه مسألة أخرى تختلف باختلاف حاله وقدر ضرورته، ولا سيما أن الآية جعلت الفدية في حال المرض والأذى، فينبغي معرفة تفاصيل العذر الصحي قبل تنزيل الحكم عليه، ويسأل في ذلك من يثق به من أهل العلم.
والله تعالى أعلم
السؤال الثاني: من ترك سجود السهو عمدًا، ما حكمه؟
الجواب:
سجود السهو واجب عند حصول سببه على القول الراجح، وهو الصحيح عند الحنفية والحنابلة، وقولٌ للمالكية، وهو قول الثوري، وابن المنذر، وابن حزم، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، والشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين، وبه أفتت اللجنة الدائمة.
فمن ترك سجود السهو نسيانًا، فإن ذكره قريبًا أتى به، وإن طال الفصل ولم يأتِ به، فالجمهور على صحة صلاته، وذهب بعض أهل العلم إلى أن سجود السهو إذا كان بسبب ترك واجب، فإن تركه نسيانًا وطال الفصل، أعاد الصلاة، ولم يأثم بذلك، وهو رواية عن أحمد، وبه قال مالك وأبو ثور، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس؛ لأن الواجب إذا فات سهوًا لم تبرأ الذمة منه بمجرد النسيان.
قال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى (23/ 32): ((وقيل: إن ترك ما قبل السلام يبطل مطلقًا، فإن تركه سهوًا فذكر قريبًا سجد، وإن طال الفصل أعاد الصلاة، وهو منقول رواية عن أحمد، وهو قول مالك وأبي ثور وغيرهما، وهذا القول أصح من الذي قبله؛ فإنه إذا كان واجبًا في الصلاة فلم يأتِ به سهوًا، لم تبرأ ذمته منه، وإن كان لا يأثم، كالصلاة نفسها، فإنه إذا نسيها صلاها إذا ذكرها، فهكذا ما ينساه من واجباتها، لا بد من فعله إذا ذكر؛ إما بأن يفعله مضافًا إلى الصلاة، وإما بأن يبتدئ الصلاة، فلا تبرأ الذمة من الصلاة ولا من أجزائها الواجبة إلا بفعلها، والواجبات التي قيل إنها تسقط بالسهو كالتشهد الأول، لم يقل إنها تسقط إلى غير بدل، بل سقطت إلى بدل، وهو سجود السهو، بخلاف الأركان التي لا بد لها كالركوع والسجود، فأما أن يقال إنها واجبة في الصلاة، وإنها تسقط إلى غير بدل، فهذا ما علمنا أحدًا قاله، وإن قاله قائل فهو ضعيف مخالف للأصول، فهذان قولان في الواجب قبل السلام إذا تركه سهوًا.
وأما الواجب بعده، فالنزاع فيه قريب، فمال كثير ممن قال إن ذلك واجب إلى أن ترك هذا لا يبطل؛ لأنه جبر للعبادة خارج عنها، فلم تبطل كجبران الحج. ونقل عن أحمد ما يدل على بطلان الصلاة إذا ترك السجود المشروع بعد السلام)). ا. هـ
ثم قال: ((والمقصود أنه لابد منه أو من إعادة الصلاة لأنه واجب أمر به النبي × لتمام الصلاة فلا تبرأ ذمة العبد إلا به)). ا. هـ
وأما إذا تعمد ترك سجود السهو، فإن كان محل السجود قبل السلام، وتعمد تركه مع العلم بوجوبه، بطلت صلاته على القول الراجح، ووجب عليه إعادة الصلاة؛ لأنه تعمد ترك واجب من واجبات الصلاة.
قال صاحب الروض المربع: ((وتبطل الصلاة بتعمد ترك سجود سهو واجب أفضليته قبل السلام)).
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: ((فالصلاة لا تبطل به إلا إذا تعمد ترك سجود السهو الذي قبل السلام)).
أما إذا كان سجود السهو بعد السلام، ثم تركه عمدًا، فالصلاة لا تبطل بذلك على القول الراجح، لكنه يأثم بترك الواجب، وعليه أن يأتي بسجدتي السهو متى ذكرهما إذا كان ذلك ممكنًا.
وإذا حصل ذلك خلف الإمام، فامتنع الإمام عن الإتيان بسجود السهو الواجب، فلا ينبغي للمأموم أن يتركه تبعًا للإمام، بل يأتي به على الوجه المشروع؛ لأن الإمام إذا ترك واجبًا وجب على المأموم إتمام ما وجب عليه.
قال الشيخ ابن باز رحمه الله: ((إذا لم يسجد الإمام لجبران النقص الحاصل بالسهو وجب على المأموم السجود، سواء سجدوا فرادى أو عينوا من يؤمهم في ذلك؛ لأن الإمام لما امتنع من الواجب انقطعت تبعيتهم له، ووجب عليهم الاستقلال بأداء الواجب، كما لو سلم عن نقص ونبهوه فلم يرجع للصواب، فإنه يلزمهم أن يكملوا صلاتهم فرادى أو بإمام منهم؛ لوجوب تكميل الصلاة على الجميع)).
ولا ينبغي لمسلم يرجو أن يتم الله له عبادته أن يترك شيئًا شرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبر الخلل الواقع في الصلاة، بل ينبغي له أن يعظم شأن الصلاة، وأن يحرص على إتمامها وإبراء ذمته منها.
ولإتمام الفائدة لابد من معرفة متى يكون سجود السهو قبل السلام ومتى يكون بعده، ليفقه العبد ما تقدم ذكره.
يكون سجود السهو قبل السلام في حالتين، وبعد السلام في حالتين، على التفصيل الآتي:
الحالة الأولى: إذا كان السهو عن نقص
فإذا نقص المصلي شيئًا من واجبات الصلاة، فإنه يسجد للسهو قبل السلام.
ويدل لذلك حديث عبد الله بن بحينة رضي الله عنه: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر، فقام في الركعتين الأوليين ولم يجلس، فقام الناس معه، حتى إذا قضى الصلاة وانتظر الناس تسليمه، كبر وهو جالس، فسجد سجدتين قبل أن يسلم، ثم سلم)) متفق عليه.
فهذا يدل على أن من ترك التشهد الأول، وهو من واجبات الصلاة، سجد للسهو قبل السلام.
الحالة الثانية: إذا شك وبنى على الأقل
فإذا شك المصلي في عدد الركعات، ولم يترجح عنده أحد الاحتمالين، فإنه يطرح الشك ويبني على اليقين، وهو الأقل، ثم يسجد للسهو قبل السلام.
ودليل ذلك حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر كم صلى ثلاثًا أم أربعًا، فليطرح الشك وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمسًا شفعن له صلاته، وإن كان صلى إتمامًا لأربع كانتا ترغيمًا للشيطان)) رواه مسلم.
وأما سجود السهو بعد السلام فيكون في حالتين:
الحالة الأولى: إذا كان السهو عن زيادة
فإذا زاد المصلي في صلاته، فإنه يسجد للسهو بعد السلام.
ويدل لذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه في قصة ذي اليدين، فإن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم إحدى صلاتي العشي، فسلم من ركعتين، ثم أخبره الصحابة رضي الله عنهم أنه نقص من صلاته، فأتم صلاته، ثم سلم، ثم سجد سجدتي السهو بعد السلام.
الحالة الثانية: إذا شك وبنى على غالب ظنه
فإذا شك المصلي في عدد الركعات، وغلب على ظنه أحد الاحتمالين، فإنه يعمل بغالب ظنه، ويتم صلاته، ثم يسلم، ثم يسجد للسهو بعد السلام.
ودليل ذلك حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا شك أحدكم في صلاته، فليتحرَّ الصواب، فليتم عليه، ثم ليسلم، ثم يسجد سجدتين)) متفق عليه.
فقوله صلى الله عليه وسلم: ((فليتحرَّ الصواب، فليتم عليه، ثم ليسلم، ثم يسجد سجدتين)) يدل على أن من ترجح عنده أحد الاحتمالين فإنه يعمل بغالب ظنه، ثم يسجد للسهو بعد السلام.
والخلاصة
أن سجود السهو واجب عند حصول سببه على القول الراجح؛ فمن تركه عمدًا مع علمه بوجوبه، فإن كان سجود السهو مما يكون قبل السلام، بطلت صلاته ووجب عليه إعادتها؛ لأنه تعمد ترك واجب من واجبات الصلاة.
وأما إن كان سجود السهو مما يكون بعد السلام، فتعمد تركه لا يبطل الصلاة على القول الراجح، لكنه يأثم بترك الواجب، وعليه أن يأتي به إذا تذكره وكان ذلك ممكنًا.
وأما من تركه نسيانًا، فإن ذكره قريبًا أتى به، وإن طال الفصل ففي المسألة خلاف بين أهل العلم، والأحوط والأبرأ للذمة أنه يعيد الصلاة براءةً للذمة، ولا سيما إذا كان سجود السهو قد وجب بسبب ترك واجب من واجبات الصلاة.
والله تعالى أعلم.
السؤال الثالث:
قرأت التشهد الأول فلم أنتبه إلا قبل السلام، فقمت لأكمل الصلاة، فهل علي سجود سهو؟
الجواب:
إذا كان المقصود أنه نسي التشهد الأول، ثم لم يتذكر إلا بعد أن قام للركعة الثالثة، فإنه لا يرجع إلى التشهد إذا استتم قائمًا، بل يكمل صلاته، ثم يسجد للسهو قبل السلام؛ لأن التشهد الأول من واجبات الصلاة، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قام عن التشهد الأول سجد للسهو.
أما إذا كان قد تذكر قبل أن يستتم قائمًا، فإنه يرجع فيجلس للتشهد، ثم يسجد للسهو؛ لأن قيامه كان سهوًا.
وعليه، فإذا لم ينتبه إلى ترك التشهد الأول إلا بعد أن قام للركعة الثالثة، فإنه يكمل الصلاة ولا يرجع إلى التشهد، ثم يسجد للسهو قبل السلام.
والله تعالى أعلم.