السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، كيف حالك يا شيخنا الكريم؟
أنا رجل عندي أموال، ويأتي الناس إليَّ فيأخذون مني هذا المال، وغالبًا ما يكون ذلك في المسجد، وكذلك أقرضهم، وأصرف لهم الصَّرْفة اليومية التي تأتي من الدولة. فهل يدخل شيء من ذلك في البيع والشراء المنهي عنه في المسجد، أم لا؟
أفيدونا، جزاكم الله خير الجزاء، وبارك الله فيكم.
الإجابة
البيع والشراء في المسجد منهيٌّ عنه، ولا يجوز؛ وقد دلت الأدلة على ذلك، ومن ذلك ما رواه الترمذي والنسائي وغيرهما عن أبي هرير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك)).
وأما الصدقة في المسجد فجائزة، وقد دل على ذلك حديث جرير بن عبد الله رضي الله عنه، الذي رواه مسلم، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم حث الناس على الصدقة، فتصدق رجل من ديناره، ومن درهمه، ومن ثوبه، ومن صاع بره، ومن صاع تمره، حتى قال: ((ولو بشق تمرة))، فجاء رجل من الأنصار بصرة، ثم تتابع الناس حتى اجتمع كومين من طعام وثياب، وسُرَّ النبي صلى الله عليه وسلم بذلك.
فدل هذا الحديث على جواز الصدقة في المسجد.
ومثل ذلك الإقراض؛ لما فيه من الإحسان إلى المقترض، وقضاء حاجته وتفريج كربته، وليس هو من البيع والشراء.
وقد دلت السنة كذلك على جواز المطالبة بالدين في المسجد؛ روى البخاري عن كعب بن مالك رضي الله عنه: ((أنه تقاضى ابن أبي حدرد دينًا له عليه، في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، في المسجد)).
وقد ترجم الإمام البخاري لهذا الحديث بقوله: ((باب التقاضي والملازمة في المسجد)).
قال الحافظ في الفتح (1/553): ((قوله: (باب التقاضي) أي: مطالبة الغريم بقضاء الدين، والملازمة أي: ملازمة الغريم، وفي المسجد يتعلق بالأمرين)). ا. هـ
فإذا جازت المطالبة بالدين في المسجد، فالذي يظهر أن الإقراض فيه أولى بالجواز؛ لأنه أظهر في الإحسان والمعروف، ولأن الإقراض يكون مبنيًّا على المسامحة والتعاون، فلا يكون فيه عادةً نزاع ولا خصومة ولا رفع أصوات، بخلاف الاقتضاء والمطالبة بالدين، فإن المشاحة والمخاصمة قد تقع فيه.
قال العلامة العثيمين في فتاوى نور على الدرب: "والسلف إحسان من المسلِف إلى المستسلف؛ أي من المقرض إلى المقترض". ا. هـ
وأما ما ذكرته من إعطاء الناس المبالغ التي تأتيهم من الدولة، فهذا داخل في الجواز أيضًا من حيث الأصل؛ لأنه ليس بيعًا وشراءً، وإنما هو إعطاء حقٍّ لهم، فهو أقرب إلى قضاء الحقوق والإحسان، ولا يدخل في النهي عن البيع والشراء في المسجد.
والخلاصة: أن ما ذكرته من إقراض الناس، وإعطائهم حقوقهم أو ما يأتيهم من الدولة، لا يدخل في البيع والشراء المنهي عنه في المسجد، بل هو من الأمور الجائزة في الأصل، ما لم تشتمل المعاملة على محرم آخر؛ كاشتراط زيادة في القرض، أو حصول بيع وشراء حقيقي داخل المسجد.
والله تعالى أعلم