الموقع الرسمي للشيخ أبي عبدالرحمن خليل الحمادي
الفتاوى · الأحكام · المسائل

ابحث عن الحكم، بوضوح وطمأنينة.

تصفح الفتاوى والمسائل العلمية المصنفة لتصل إلى الإجابات والمحتوى الذي تبحث عنه بسهولة ويسر.

← العودة إلى الفتاوى
رقم الفتوى #0069

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وحياكم الله شيخنا الحبيب، وبارك الله فيكم وفي أهلكم ومالكم وعلمكم. أحب طلب العلم وأتمنى أن أكون من طلابه، وأسأل الله أن يرزقني الإخلاص والثبات، لكن كما تعلمون فإن الإنسان يحتاج إلى السعي في طلب الرزق وقضاء حاجاته، وأنا أعمل في عمل دخله يسير، وقد تعرض عليّ أحيانًا أعمال فيها زيادة في الدخل والخير. غير أني أخشى على نفسي أن تنشغل بالدنيا، وأن يتعلق القلب بها، أو أن يكون الإقبال على الكسب سببًا في التقصير في طلب العلم والعبادة، فتزل القدم بعد الاستقامة. لذلك أحببت أن أستشيركم وأستفيد من توجيهكم ونصيحتكم: كيف يجمع المسلم بين السعي في الرزق وطلب العلم؟ وما هي الوصايا التي تعين على ألا تأخذ الدنيا من القلب أكثر من قدرها؟ جزاكم الله خيرًا، ونفع الله بعلمكم، وبارك فيكم.

الإجابة

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته وفيك بارك أخي الكريم، كونك تحب طلب العلم، وتخاف أن تشغلك الدنيا عنه، فهذا من علامات الخير إن شاء الله؛ لأن القلب الذي يحرص على العلم ويخشى أن يحرم منه قلبٌ يرجو الخير. واعلم أن طلب العلم من أجلِّ القربات وأعظم العبادات، وقد رفع الله شأن أهله فقال سبحانه: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11]، وقال النبي ﷺ: ((من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين)) متفق عليه عن معاوية. وطالب العلم له فضل عظيم إذا أخلص لله تعالى، وسلك طريق العلم والعمل والدعوة؛ قال ﷺ: ((من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا، سهل الله له به طريقًا إلى الجنة)) رواه مسلم عن أبي هريرة. ثم اعلم أن طلب العلم من أعظم أسباب الرزق والبركة؛ لأن العلم يدل العبد على ما يرضي الله، ومن أعظم ما يجلب رزق الله وبركته تقواه وطاعته، قال سبحانه: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ۝ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 2-3]. وروى الترمذي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ أَخَوَانِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانَ أَحَدُهُمَا يَأْتِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْآخَرُ يَحْتَرِفُ، فَشَكَا المُحْتَرِفُ أَخَاهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: ((لَعَلَّكَ تُرْزَقُ بِهِ)) فإن استطعت أن تتفرغ لطلب العلم، وكان ذلك لا يضيع حقًا واجبًا عليك، ولا يجعلك محتاجًا إلى الناس، فهذه نعمة عظيمة وخير كثير؛ لأن التفرغ للعلم يعين على التحصيل والتمكن، وقد كان كثير من أهل العلم يتفرغون له ويبذلون أعمارهم في تحصيله. وإن لم تستطع التفرغ، فلا تترك طلب العلم، بل اجمع بين طلب العلم وطلب المعاش، واجعل لنفسك وقتًا للعلم ووقتًا للعمل، وخذ من كل واحد منهما بنصيب. ولا تحتقر القليل من العلم؛ فإن القليل مع الاستمرار يثمر خيرًا كثيرًا، وسييسر الله لك أمرك إذا صدقت معه وأخلصت له. والرضا بالكفاف والقليل مع التفرغ لطلب العلم، ونفع النفس والأهل، والاشتغال بما ينفع في الآخرة، خيرًا للعبد من التوسع في الدنيا والتكاثر فيها مع انشغاله عن طلب العلم، ولو شيئًا يسيرًا؛ فإن الإنسان إذا كان في كفاف، مستغنيًا عن سؤال الناس، فليحمد الله على نعمته، وليكتفِ بما يكفيه، وليقبل على شأنه من العلم والعبادة. ولا ينبغي للعبد أن ينظر دائمًا إلى زيادة الدخل على أنها خير له؛ فقد تكون الزيادة سببًا في زيادة التعلق بالدنيا والانشغال بها، وقد يكون القليل مع البركة والقناعة خيرًا وأبقى. فإذا كان الإنسان يجد من الرزق ما يكفيه ويكفي أهله، ولا يحتاج إلى ما في أيدي الناس، فليحرص على اغتنام عمره في طلب العلم والعمل به ونفع الناس، فإن العمر قصير، وما مضى منه لا يعود. وقد قيل: الدنيا ضَرَّة الآخرة؛ فإذا تزاحم التوسع في الدنيا مع ما هو أنفع لدينه وآخرته، فليؤثر ما يبقى له عند الله، وليعلم أن ما عند الله خير وأبقى. فالمقصود ليس ذم طلب الرزق ولا ترك الكسب الحلال، وإنما المقصود ألا يُفوِّت العبد نصيبه من العلم والعبادة والتفرغ للنافع من أجل زيادة في الدنيا على حساب دينه وعلمه. والخلاصة: إن تيسر لك التفرغ لطلب العلم مع قيامك بحقوقك، فهو خير عظيم، وإن لم يتيسر، فاجمع بين طلب العلم وطلب المعاش، واستعن بالله، ونظم وقتك، ولا تجعل الدنيا أكبر همك. ومن صدق مع الله وأقبل عليه، أعانه الله وفتح له أبواب الخير، ورزقه من حيث لا يحتسب. والله تعالى أعلم.
● مباشر /
إذاعة القرآن الكريم من بني حماد