السؤال
سائل يقول:
ما حال نظام الطيبات، في زمن كثرت فيه الأمراض الخبيثة بسبب تلوث بعض الأطعمة بالسموم، وحتى بعض الحيوانات، وحتى الأدوية، ومنها الباراسيتامول الذي أثبت علميًا تسببه في تسمم الكبد، هذا غير الكيماويات المسببة لأمراض السرطان التي تدمر المناعة، ومن أين يأتي الخير من بلاد الكفر؟
النظام هدفه للحمية وحماية الجسم من آثار الدواء.
ولو دللتمونا على كيفية تناول الطعام كما ورد في السنة.
الإجابة
الجواب:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
إذا كان المقصود بـ نظام الطيبات النظام الغذائي الذي اشتهر به الطبيب المصري ضياء العوضي، فالدعوة إلى المحافظة على الصحة، واختيار الأطعمة النافعة، وترك ما ثبت ضرره، وترك الإسراف في الطعام؛ أمور لا حرج فيها، بل منها ما دلت عليه الشريعة.
لكن الإشكال ليس في أصل الدعوة إلى الغذاء الصحي، وإنما في بعض الأصول والنتائج التي بُني عليها النظام؛ فمن ذلك:
المبالغة في جعل الغذاء سببًا لكثير من الأمراض، والدعوى بأن النظام قادر على علاج أمراض خطيرة ومزمنة دون الرجوع إلى العلاج الطبي، وما قد يترتب على ذلك من ترك الأدوية أو تعديلها بغير استشارة الطبيب.
ومن ذلك أيضًا التوسع في تصنيف أطعمة كثيرة بأنها ((خبيثة)) أو ضارة على وجه العموم، مع أن الحكم على الأطعمة من الناحية الصحية يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال.
ومن ذلك أن تطبيق قائمة الممنوعات والمسموحات بصورة صارمة قد يؤدي إلى اختلال التوازن الغذائي، ومن الناحية الشرعية، لا يصح أن يقال عن طعام إنه ((خبيث)) أو محرم لمجرد أن صاحب نظام غذائي صنفه كذلك؛ فالتحليل والتحريم مردُّهما إلى الشرع، والأصل في الأطعمة الإباحة، وما ثبت ضرره على شخص أو في حالة معينة يُمنع منه من جهة الضرر، دون أن يجعل ذلك تحريمًا شرعيًا عامًا.
وكذلك لا يصح تحميل آيات القرآن وأحاديث النبي ﷺ نظريات طبية متغيرة، وجعلها تفسيرًا لازمًا للنصوص؛ فالقرآن والسنة حق، ويؤخذ من النص ما دل عليه، ولا يصح أن تُحمَّل النصوص ما لا تحتمله لموافقة نظرية غذائية أو طبية معينة، كما فعل صاحب النظام.
ولا يعني وجود بعض النصائح النافعة في النظام، كالحث على الاعتدال وترك بعض الأطعمة الضارة، صحة جميع أصوله ودعاواه.
ومما يؤكد خطورة بعض ما يُنسب إلى هذا النظام أن هذا التحذير لم يكن لمجرد مخالفة النظام الغذائي المعتاد، وإنما جاء بعد رصد حالات صحية تضررت بسبب اتباع بعض الناس هذه التوصيات وترك الأدوية أو خفض جرعاتها. ففي السعودية، حذرت وزارة الصحة من اتباع نظام الطيبات بديلًا عن العلاج الطبي، وأوضحت أن التحذير جاء بعد رصد حالات أوقفت الإنسولين أو أدوية السكري أو خفضت جرعاتها، فاستدعت بعض الحالات التدخل في الطوارئ والتنويم في العناية المركزة بسبب الارتفاع الشديد في سكر الدم واضطرابات السكري. وفي تونس أصدرت وزارة الصحة كذلك تحذيرًا من إيقاف الأدوية أو تعديل جرعاتها دون استشارة الطبيب، على خلفية انتشار نظام الطيبات. وفي مصر حذرت جهات طبية من مخاطر النظام وما قد يترتب على ترك العلاج، مع الإشارة إلى مضاعفات خطيرة وقعت لبعض المرضى.
فالمقصود بالتحذير إذن ليس مجرد أن الإنسان يختار بعض الأطعمة أو يترك بعضها، وإنما الخطر في تحويل نظام غذائي غير مثبت إلى بديل عن العلاج الطبي، أو بناء دعاوى علاجية عليه، ثم ترك الأدوية أو تعديلها بغير الرجوع إلى الطبيب المختص، وبدعوى أنك لا تحتاج إلى علاجات ولا أدوية.
وقد روى أحمد عَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((تَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يُنَزِّلْ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ مَعَهُ شِفَاءً إِلَّا الْمَوْتَ وَالْهَرَمَ)).
وأما اختلاف بعض المشايخ في الحكم على صاحب نظام الطيبات، فلا يلزم منه أن يكون أحدهم قد أحاط بجميع كلامه، وإنما قد يرجع اختلافهم إلى أن كل واحد منهم نظر إليه من جانب معين؛ فمن نظر إلى بعض كلامه النافع أثنى على ما فيه من الخير، ومن نظر إلى بعض الدعاوى أو الأخطاء حذّر منها، فلا تثريب على أحد منهم، ما دام كلٌّ قد تكلم بحسب ما ظهر له.
والواجب على المسلم ألا يجعل كلام أحد حجةً في نفسه، وإنما ينظر في كل قول إلى دليله، ويأخذ من هذا النظام أو غيره ما ثبتت فائدته، وما لا يخالف الشرع ولا يترتب عليه ضرر، ويرد ما خالف الدليل أو ثبت ضرره.
وأما ما ذُكر في السؤال من كثرة الأمراض بسبب تلوث بعض الأطعمة، وما ذُكر عن بعض الأدوية كالبنادول، وما قيل من أن الخير لا يأتي من بلاد الكفر، وغير ذلك من الدعاوى؛ فهذه مسائل متعددة تحتاج إلى تحرير وتفصيل، والكلام عليها يطول، وليس المقام مقام استقصائها، وإنما المقصود هنا بيان الأصل في هذا النظام والتنبيه على ما فيه من محاذير.
والله تعالى أعلم.