السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، شيخنا الفاضل خليل الحمادي، موضوعنا اليوم عن الصلاة. نحن نعمل في شركة بنظام دوام ليلي من الساعة 9:00 مساءً حتى الساعة 7:00 أو 8:00 صباحًا، وأحيانًا بعد الساعة 9:00 نذهب للنوم مباشرة. أحيانًا تفوتنا صلاة الظهر أو ننتظرها لنصليها، ونتساءل هل يجوز جمع صلاة الظهر مع العصر بسبب ضغط العمل. وأحيانًا ننام من وقت الظهر فلا نصلي العصر ولا المغرب ولا العشاء إلا عند الاستيقاظ الساعة 9:00 مساء وقت الدوام، فهل يجوز جمع الصلوات مثل الظهر مع العصر والمغرب مع العشاء في وقت واحد؟
الإجابة
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
الأصل أن تُصلَّى كل صلاة في وقتها، ولا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها بسبب العمل؛ وقد سُئل الشيخ ابن باز رحمه الله عن الجمع بسبب العمل، فقال: ليس له الجمع من أجل العمل، بل كل صلاة في وقتها، وإنما جمع النبي ﷺ لأسباب إما لسفر وإلا لمرض، أو الدحض، والزلق والمطر، أما الجمع بدون سبب ما كان يجمع -عليه الصلاة والسلام- وما ورد من حديث ابن عباس: "أنه ﷺ جمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء من غير خوف، ولا مطر" وفي بعض الروايات: "من غير خوف ولا سفر" فهذا محمول على عذر آخر، كالدحض والزلق، أو المرض، وقد استقرت الشريعة على أنه لا يجوز الجمع إلا لعذر شرعي. انتهى.
وعليه، فإن كان هذا العمل يشغلكم عن الصلاة، ويؤدي بكم إلى أن تخرج الصلوات عن أوقاتها، فهذا العمل لا خير فيه، وتركه أوجب؛ لأن الصلاة أعظم من كل عمل دنيوي، وهي حق الله سبحانه وتعالى على عباده، ولا يجوز للإنسان أن يجعل طلب الرزق سببًا لتضييع الصلاة. ومن ترك شيئًا لله عوّضه الله خيرًا منه، فعلى المسلم أن يثق بالله، وأن يتقيه، وسيجعل الله له من أمره يسرًا، ويرزقه من حيث لا يحتسب.
وأما الجمع بين الصلاتين، فإن كان ذلك يقع أحيانًا بسبب ضرورة أو حاجة شديدة، بحيث تلحق الإنسان مشقة معتبرة في أداء كل صلاة في وقتها، فنرجو ألا يكون في ذلك حرج، وقد ذكر أهل العلم الجمع للحاجة والمشقة في بعض الأحوال. أما أن يتخذ الإنسان الجمع عادة دائمة بسبب طبيعة العمل، من غير عذر شرعي، فلا يجوز؛ لأن الأصل بقاء كل صلاة في وقتها.
وأما النوم بعد انتهاء الدوام، فلا حرج في النوم إذا احتاج إليه الإنسان، لكن يجب أن يتخذ الأسباب التي تعينه على الاستيقاظ للصلاة، كضبط المنبه، وطلب من يوقظه، ونحو ذلك. ولا يجوز أن ينام وهو يعلم أن نومه سيؤدي إلى خروج الصلاة عن وقتها ثم لا يبالي بذلك.
ولا بد أن نعلم أن إخراج الصلاة عن وقتها بغير عذر شرعي من كبائر الذنوب، فكيف إذا كان الإنسان يترك عدة فرائض بسبب النوم، ثم يستيقظ عند العشاء فيصليها جميعًا؟ لا شك أن هذا أعظم خطرًا؛ لأنه جمع بين التفريط في عدة صلوات.
ومن تعمد ترك الصلاة حتى خرج وقتها من غير عذر شرعي، فهو واقع في كبيرة من الكبائر، وقد ذهب جمع من أهل العلم إلى أن من تعمد إخراج الصلاة عن وقتها لا ينفعه قضاؤها، وإنما الواجب عليه التوبة النصوح، والندم على ما فرط، والعزم على المحافظة على الصلاة في أوقاتها. وهذا مذهب الظاهرية، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن رجب، وابن باز، وابن عثيمين رحمهم الله.
وأما من غلبه النوم من غير تفريط، فهذا معذور؛ لقول النبي ﷺ: ((ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى)) رواه مسلم عن أبي قتادة رضي الله عنه، فإذا استيقظ صلى ما فاته مباشرة.
والوصية لكم: اتقوا الله في الصلاة، واحرصوا عليها أشد الحرص، واعلموا أنكم ما خُلقتم إلا لعبادة الله، قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. والعمل والرزق إنما هما وسائل، وليس من الحكمة أن يطلب الإنسان رزقه بشيء يضيّع به حق الله عليه. فإذا كان العمل يمنعكم من الصلاة أو يفوّت عليكم الصلوات حتى تخرج أوقاتها، فابحثوا عن عمل آخر يمكنكم معه القيام بواجبكم تجاه الله، ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾.
والله تعالى أعلم.