الموقع الرسمي للشيخ أبي عبدالرحمن خليل الحمادي
الفتاوى · الأحكام · المسائل

ابحث عن الحكم، بوضوح وطمأنينة.

تصفح الفتاوى والمسائل العلمية المصنفة لتصل إلى الإجابات والمحتوى الذي تبحث عنه بسهولة ويسر.

← العودة إلى الفتاوى
رقم الفتوى #0080

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، كيف حالك شيخنا العزيز، حفظك الله وبارك فيك. سؤالي عن قوله تعالى: (إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ)، ما معنى كلمة "نعجة" هنا؟ هل المقصود بها أنثى الضأن أم المرأة؟ وما رأيكم في تفسير السعدي والقرطبي وغيرهما ممن قالوا إنها تعني المرأة؟ وهل اعتمدوا في ذلك على الإسرائيليات أم على أن العرب قديمًا كانت تطلق على المرأة لفظ "نعجة"؟

الإجابة

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته الآية جاءت في سياق قصة المتخاصمين الذين أتوا إلى داود عليه السلام ليحكم بينهم، والمقصود الذي ينبغي أن يُعتنى به هو ما أراد الله سبحانه وتعالى بيانه من العبرة والحكم في هذه القصة، لا التوسع في تفاصيل لم يذكرها الله تعالى في كتابه، ولم تثبت عن رسوله ﷺ. قال العلامة السِعدي في تفسيره: وهذا الذنب الذي صدر من داود عليه السلام، لم يذكره اللّه لعدم الحاجة إلى ذكره، فالتعرض له من باب التكلف، وإنما الفائدة ما قصه اللّه علينا من لطفه به وتوبته وإنابته، وأنه ارتفع محله، فكان بعد التوبة أحسن منه قبلها. ا. هـ وأما القصة المشهورة التي يذكرها بعض المفسرين في سبب هذه الآيات، والتي تتضمن أن داود عليه السلام رأى امرأة وكانت متزوجة فأعجبته، ثم سعى في قتل زوجها ليتزوجها، فهذه من الإسرائيليات التي لا تصح، ولا يجوز أن تُنسب إلى نبي من أنبياء الله؛ لما تتضمنه من أمور لا تليق بمقام النبوة. قال العلامة ابن كثير في تفسيره عند هذه الآية: قد ذكر المفسرون هاهنا قصة أكثرها مأخوذ من الإسرائيليات ولم يثبت فيها عن المعصوم حديث يجب اتباعه ولكن روى ابن أبي حاتم هنا حديثا لا يصح سنده؛ لأنه من رواية يزيد الرقاشي عن أنس -ويزيد وإن كان من الصالحين-لكنه ضعيف الحديث عند الأئمة فالأولى أن يقتصر على مجرد تلاوة هذه القصة وأن يرد علمها إلى الله عز وجل فإن القرآن حق وما تضمن فهو حق أيضا.. ا. هـ وقال العلامة الشنقيطي في "أضواء البيان": واعلم أن ما يذكره كثير من المفسرين في تفسير هذه الآية الكريمة مما لا يليق بمنصب داود -عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام-، كله راجع إلى الإسرائيليات، فلا ثقة به، ولا معول عليه، وما جاء منه مرفوعًا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يصح منه شيء. اهـ. وأما قوله تعالى: ﴿لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾، فالنعجة في أصل اللغة هي أنثى الضأن، ولا مانع من أن تستعمل العرب لفظ النعجة كناية عن المرأة، وقد ذكر ذلك بعض أهل اللغة والتفسير. لكن مجرد كون العرب قد تكني بالنعجة عن المرأة لا يستلزم أن تكون النعجة في هذه الآية مرادًا بها المرأة حقيقة؛ إذ لا يوجد في كتاب الله ولا في سنة رسوله ﷺ ما يدل دلالة صريحة على أن المراد بالنعاج هنا النساء. فلا ينبغي أن نجزم بهذا التفسير، ولا أن تُبني عليه قصة داود مع تلك المرأة التي لا تثبت. ومما ينبغي التنبيه عليه: أن مجرد ذكر القصة في كتب التفسير لا يعني ثبوتها وصحتها؛ فإن كتب التفسير تشتمل على الصحيح والضعيف والإسرائيليات وأقوال السلف وأهل اللغة، فلا ينبغي أن يغتر طالب العلم بمجرد وجود القصة في تفسير عالم من العلماء، وإنما العبرة بثبوتها وصحة الدليل عليها، لا بمجرد ذكرها في كتاب من كتب التفسير. وما أحسن ما قاله ابن العربي رحمه الله تحت هذه الآية، مبينا خطورة ما نسب إلى الأنبياء من القصص الباطلة، فقال: "والذي أوقع الناس في ذلك رواية المفسرين وأهل التقصير من المسلمين في قصص الأنبياء مصائب لا قدر عند الله لمن اعتقدها روايات ومذاهب، ولقد كان من حسن الأدب مع الأنبياء صلوات الله عليهم ألا تبث عثراتهم لو عثروا، ولا تبث فلتاتهم لو استفلتوا؛ فإن إسبال الستر على الجار والولد والأخ والفضيلة أكرم فضيلة، فكيف سترت على جارك حتى لم تقص نبأه في أخبارك، وعكفت على أنبيائك وأحبارك تقول عنهم ما لم يفعلوا، وتنسب إليهم ما لم يتلبسوا به ولا تلوثوا به، نعوذ بالله من هذا التعدي والجهل بحقيقة الدين في الأنبياء والمسلمين والعلماء والصالحين". اهـ. ولهذا ينبغي لطالب العلم أن يكون على بصيرة، وألا يغتر بوجود القصة في بعض كتب التفسير، بل يسأل: هل ثبتت عن الله أو رسوله ﷺ؟ وهل صح سندها؟ فإن ثبتت قبلها، وإلا توقف فيها، ولا ينسب إلى أنبياء الله ما لا يليق بهم. والله تعالى أعلم.
● مباشر /
إذاعة القرآن الكريم من بني حماد