السؤال
بسم الله الرحمن الرحيم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. كنت أنا وأخي في مشكلة أدت إلى قطيعة طويلة استمرت قرابة خمس سنوات، لكن الحمد لله بفضل الله علينا تصالحنا ورجعنا كنا وأفضل. كنت قد حلفت ألا أدخل بيته، ولكن أثناء الصلح التقينا في الشارع، فأخذني إلى بيته ولم أستطع رفض الدخول. وكان عليّ يمين، وفي ذلك الوقت لم يكن معي مال لأدفع كفارة اليمين، ولم أستطع أن أطلب منه دفعها. فكيف أعمل، وكم مقدار كفارة اليمين، وهل عليّ إثم بدخولي بيته قبل إخراج الكفارة؟
الإجابة
الحمد لله الذي أصلح بينكما وأعاد المودة بعد هذه القطيعة الطويلة، ونسأل الله أن يديم الألفة بينكما، وأن يجزيكما خيرًا على الصلح؛ فإن إصلاح ذات البين من أجلِّ القربات.
أما يمينك، فإن كنت حلفت بالله ألا تدخل بيت أخيك، ثم دخلت بيته، فقد حنثت في يمينك، وعليك كفارة يمين.
وكان الأولى عند حصول الصلح أن تدخل بيت أخيك؛ لأن بقاء القطيعة والهجر ليس خيرًا، وقد روى مسلم من حديث أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَن حلف على يمين، فرأى غيرها خيرًا منها، فليأتِها، وليُكَفِّر عن يمينه)).
فإذا رأى الإنسان أن الوفاء بيمينه يفوِّت خيرًا، أو أن الحنث فيها يحقق مصلحة شرعية، فإنه يفعل الخير ويكفِّر عن يمينه. ولا ينبغي للإنسان أن يجعل يمينه سببًا في القطيعة بينه وبين أخيه.
وأما كفارة اليمين فقد بينها الله تعالى بقوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِنْ يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ۖ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة: 89].
فأنت مخيَّر بين ثلاثة أمور:
1. إطعام عشرة مساكين، لكل مسكين نصف صاع من قوت البلد، وهو نحو كيلو ونصف تقريبًا من الأرز أو البر أو التمر أو غير ذلك من الطعام المعتاد. ويجوز أن تطعمهم وجبة غداء أو عشاء، ولا بد أن يكونوا عشرة مساكين.
2. كسوة عشرة مساكين كسوة تجزئهم في الصلاة.
3. تحرير رقبة، وهذا غير متيسر في زماننا.
فإن كنت لا تجد شيئًا من هذه الثلاثة، انتقلت إلى صيام ثلاثة أيام.
ولا يجزئ في كفارة اليمين أن يخرجها نقودًا؛ بل الأصل أن تكون بالطعام أو الكسوة أو العتق، ثم الصيام عند العجز عنها.
وهذا مَذهَبُ الجُمهورِ: المالِكيَّةِ ، والشَّافِعيَّةِ ، والحَنابِلةِ ، وهو قَولُ طائفةٍ مِنَ السَّلَفِ.
قال ابنُ قُدامةَ: "لا يُجزئُ في الكفَّارةِ إخراجُ قيمةِ الطَّعامِ ولا الكِسْوةِ، في قَولِ إمامِنا، ومالكٍ، والشَّافعيِّ، وابنِ المُنذِرِ، وهو ظاهِرُ قَولِ مَن سَمَّينا قَولَهم في تفسيرِ الآيةِ، في المسألةِ التي قَبْلَها، وهو ظاهِرٌ مِن قَولِ عُمَرَ بنِ الخطَّابِ، وابنِ عَبَّاسٍ، وعطاءٍ، ومجاهدٍ، وسعيدِ بنِ جُبيرٍ، والنَّخَعيِّ. ا. هـ ((المغني)) (9/542).
وأما قولك: إنك حين دخلت بيت أخيك لم يكن معك مال، ولم تستطع أن تطلب منه أن يدفع عنك الكفارة؛ فهذا لا يوجب عليك شيئًا زائدًا، ولا يشترط أن تكون الكفارة قد أُخرجت قبل دخول البيت. فقد حصل الحنث، والكفارة باقية في ذمتك، فعليك أن تؤديها متى قدرت.
وأما قولك: هل عليَّ إثم بدخولي بيته قبل إخراج الكفارة؟
فالجواب: لا؛ لأن المشروع عند رؤية ما هو خير أن يفعل الخير ويكفِّر عن يمينه، ولو تأخر أداء الكفارة فلا يشترط إخراج الكفارة قبل الحنث باليمين، كما دل عليه حديث أبي هريرة رضي الله عنه السابق.
وقد نقل النووي وابن عبد البر رحمهما الله الإجماع على جواز تأخير الكفارة عن الحنث، قال النووي: "أجمعوا على أنه لا تجب عليه الكفارة قبل الحنث، وعلى أنه يجوز تأخيرها عن الحنث". ا. هـ شرح صحيح مسلم (11/109).
فإذا كنت الآن قادرًا على الكفارة، فبادر بإخراجها، وإن لم تكن قادرًا على الإطعام أو الكسوة، فحينئذ تصوم ثلاثة أيام. ولا تجعل هذه اليمين سببًا للعودة إلى القطيعة، بل احمد الله على أن جمع بينكما بعد خمس سنوات، واحرصا على دوام صلة الرحم والعفو والتسامح.
والله تعالى أعلم.