الموقع الرسمي للشيخ أبي عبدالرحمن خليل الحمادي
الفتاوى · الأحكام · المسائل

ابحث عن الحكم، بوضوح وطمأنينة.

تصفح الفتاوى والمسائل العلمية المصنفة لتصل إلى الإجابات والمحتوى الذي تبحث عنه بسهولة ويسر.

← العودة إلى الفتاوى
رقم الفتوى #0100

السؤال

رفع الله قدرك وعفا عنك قرأت حديث (ثلاثة يدعون فلا يستجاب لهم ومنهم رجل تحته امرأة سيئة الخلق ولم يطلقها و..... هل الحديث صحيح؟،وكيف نجمع بينه وبين حديث (لا يفرك مؤمن مؤمنة...؟

الإجابة

ورفع الله قدرك، وعفا عنا وعنك. الحديث أخرجه الحاكم في المستدرك، والطحاوي في مشكل الآثار، والبيهقي، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ثلاثةٌ يدعون الله فلا يُستجاب لهم: رجلٌ كانت تحته امرأةٌ سيئةُ الخُلُق فلم يُطلِّقها، ورجلٌ كان له على رجلٍ مالٌ فلم يُشهِد عليه، ورجلٌ آتى سفيهًا ماله، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ﴾)). والحديث جاء من طريق شعبة، وأكثر أصحاب شعبة الثقات رووه موقوفًا على أبي موسى رضي الله عنه، ورواه بعضهم عنه مرفوعًا إلى النبي ×. والراجح وقفه لأن أكثر أصحاب شعبة المتقنين رووه موقوفًا على أبي موسى. والحديث وإن صححه العلامة الألباني رحمه الله، فقد ضعفه جماعة من أهل العلم ومنهم العلامة ابن عثيمين، واللجنة الدائمة، والعلامة الوادعي ذكره في أحاديث معلة. وبعضهم حكم عليه بالنكارة، وممن نُقل عنه الحكم بنكارة الحديث من المتقدمين الإمام الذهبي، حيث نقل المناوي في فيض القدير (3/336) عن الذهبي قوله: ((هو مع نكارته إسناده نظيف)). وأما وجه النكارة الذي ذكره بعض أهل العلم، ففي قوله: ((رجل كانت تحته امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها))؛ إذ قد يُفهم منه أن بقاء الرجل مع زوجته سيئة الخلق مذموم بإطلاق، وهذا لا يوافق ما جاء في القرآن والسنة من الترغيب في إمساك الزوجة والصبر عليها وحسن عشرتها. قال الله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 19]. وثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يَفْرَكْ مؤمنٌ مؤمنةً، إن كره منها خُلُقًا رضي منها آخر)). ومع ذلك، فلو صح الحديث مرفوعًا، فلا تعارض بينه وبين حديث ((لا يفرك مؤمن مؤمنة))؛ لأن أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم لا تتعارض، وإنما يجمع بينها بحمل كل حديث على ما يناسبه. فليس في الحديث الأول أن كل امرأة سيئة الخلق يجب على زوجها أن يطلقها، وإنما يحمل - على تقدير ثبوته - على رجل ابتلي بامرأة سيئة الخلق، بحيث يتضرر من بقائها، ويصل به الحال إلى الدعاء، وهو قادر على مفارقتها، ومع ذلك لا يفارقها؛ ومما يدل على ذلك أن الحديث قال: ((ثلاثة يدعون الله فلا يستجاب لهم))، فوصف حاله بالدعاء، فدل على أن الأمر قد بلغ منه مبلغًا شديدًا، ومع ذلك أبقى نفسه في هذه الحال مع قدرته على دفع الضرر بالمفارقة. قال المناوي في فيض القدير: (فلم يطلقها )؛ فإذا دعا عليها لا يستجيب له؛ لأنه المعذب نفسه بمعاشرتها؛ وهو في سعة من فراقها. ا. هـ ومما يدل كذلك على أن وجود العيوب أو حصول ما يقتضي الطلاق لا يعني خلو المرأة من الفضائل، وأن الطلاق قد يقع مع وجود الخير في الزوجة: ما ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم طلَّق حفصة رضي الله عنها ثم راجعها، وكانت رضي الله عنها صوَّامةً قوَّامةً، وقال جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم: ((راجع حفصة، فإنها صوَّامة قوَّامة، وإنها زوجتك في الجنة)). رواه النسائي وصحح الألباني في الصحيحة. فدل ذلك على أن المرأة قد تكون صاحبة دين وعبادة وفضائل، ومع ذلك يقع الطلاق لسبب من الأسباب، فلا يلزم من الطلاق أن تكون المرأة شريرة أو خالية من المحاسن. أما حديث ((لا يَفْرَكْ مؤمنٌ مؤمنةً، إن كره منها خُلُقًا رضي منها آخر))، فهو توجيه إلى الصبر وحسن العشرة، والنظر إلى محاسن الزوجة، وألا يحمل الزوج ما يكرهه منها على بغضها وإهدار محاسنها؛ فربما كره منها خلقًا، ورضي منها آخر، من دين وعفة وأمانة وحسن عشرة وغير ذلك. وعليه؛ فإذا كان سوء الخلق أمرًا محتملًا يمكن إصلاحه والصبر عليه، فالسنة أن يصبر الزوج، وينظر إلى محاسن زوجته، ويسعى في إصلاحها، ولا يستعجل الطلاق. أما إذا بلغ سوء الخلق حدًّا يتعذر معه دوام العشرة بالمعروف، واستمر الضرر، ولم تنفع وسائل الإصلاح، فلا يلزم الزوج أن يبقيها، بل له أن يطلقها، وليس في ذلك مخالفة لحديث ((لا يفرك مؤمن مؤمنة))؛ لأن الحديث يحث على عدم بغض الزوجة بسبب عيب يمكن احتماله، ولا يمنع الطلاق عند تعذر العشرة واستمرار الضرر. والله تعالى أعلم.
● مباشر /
إذاعة القرآن الكريم من بني حماد