السؤال
ما حكم غسل يوم الجمعة وهل هو واجب؟
الإجابة
غُسل يوم الجمعة مشروع باتفاق العلماء، لكنهم اختلفوا في حكمه: هل هو واجب أم مستحب؟ على أقوال:
القول الأول: أنه مستحب وليس بواجب.
وهو قول جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية، ورواية عن الإمام أحمد رحمهم الله.
واستدلوا بأحاديث، منها حديث سمرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: ((مَن توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل)). رواه أبو داود والترمذي والنسائي.
واستدلوا أيضًا بحديث عائشة رضي الله عنها في الصحيحين، وفيه أن الناس كانوا يأتون للجمعة من العوالي، وعليهم الغبار والعرق، فقال النبي ﷺ: ((لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا)).
قالوا: فلو كان الغسل واجبًا لأمرهم به أمرًا صريحًا.
واستدلوا كذلك بحديث ابن عمر رضي الله عنهما، قال: ((أن عمر بن الخطاب بينما هو قائم في الخطبة يوم الجمعة، إذ دخل رجل من المهاجرين الأولين من أصحاب النبي ﷺ، فناداه عمر: أية ساعة هذه؟ قال: إني شُغلت، فلم أنقلب إلى أهلي حتى سمعت التأذين، فلم أزد أن توضأت. فقال: والوضوء أيضًا، وقد علمت أن رسول الله ﷺ كان يأمر بالغسل؟)). متفق عليه.
قالوا: فلو كان الغسل واجبًا لما اكتفى عثمان رضي الله عنه بالوضوء، ولأمره عمر رضي الله عنه بالرجوع للاغتسال.
القول الثاني: أنه واجب.
وهو قولٌ رُوي عن بعض الصحابة، وهو رواية عن الإمام أحمد، وبه قال أهل الظاهر، ومنهم ابن حزم، وحكاه ابن المنذر عن مالك، وحكاه الخطابي عن الحسن البصري ومالك، واختاره ابن دقيق العيد، ورجحه الشوكاني، والشيخ مقبل الوادعي، والشيخ ابن عثيمين، والشيخ الألباني رحمهم الله.
واستدلوا بأحاديث، منها حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: ((غُسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم)). متفق عليه.
واستدلوا كذلك بحديث عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ قال: ((إذا جاء أحدكم إلى الجمعة فليغتسل)). متفق عليه.
فالنصوص في ذلك صريحة في الأمر، بل جاء في بعضها التصريح بلفظ ((واجب))، والأصل في الأمر الوجوب، ولا يُعدل عنه إلا بدليل صحيح صريح.
القول الثالث: التفصيل.
وهو أن غسل الجمعة يجب على من له عرق أو ريح يتأذى به غيره، وأما من لم يكن منه ما يؤذي الناس فالغسل في حقه سنة.
وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، حيث قال: ويجب غسل الجمعة على من له عرق أو ريح يتأذى به غيره وهو بعض من مذهب من يوجبه مطلقا بطريق الأولى. ا. هـ الاختيارات الفقهية (ص: 18)
والذي يظهر ـ والله أعلم ـ أن غسل الجمعة واجب على من أراد حضور الجمعة؛ لصراحة الأدلة الواردة في ذلك، ولا سيما قوله ﷺ: ((غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم)). وقوله ﷺ: ((إذا جاء أحدكم إلى الجمعة فليغتسل)).
فالأصل في الأمر الوجوب، ولا سيما مع اقترانه في الحديث الأول بالتصريح بلفظ ((واجب)).
قال ابن القيم رحمه الله: ((ووجوبه أقوى من وجوب الوتر، وقراءة البسملة في الصلاة، ووجوب الوضوء من مس النساء، ووجوب الوضوء من مس الذكر، ... ووجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأخير، ووجوب القراءة على المأموم)). زاد المعاد (1/365).
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: ((الاغتسال يوم الجمعة واجب على كل بالغ عاقل، لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: غسل الجمعة واجب على كل محتلم، فصرح النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأنه واجب.
ومن المعلوم أن أعلم الخلق بشريعة الله رسول الله، ومن المعلوم أن أنصح الخلق لعباد الله رسول الله، ومن المعلوم أن أعلم الناس بما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن المعلوم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أفصح العرب، فإذا اجتمعت هذه الأمور الأربعة وقال: غسل الجمعة واجب على كل محتلم، فكيف نقول ليس بواجب؟!
لو أن هذه العبارة جاءت في متن من المتون الذي ألفه عالم من العلماء، وقال فيه: فصل غسل الجمعة واجب، لم يشك أحد يقرأ هذا الكتاب إلا أن المؤلف يرى وجوبه، هذا وهو آدمي معرض للخطأ والصواب، فكيف والقائل بذلك محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟!
ثم إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قيد هذا الوجوب بما يقتضي الإلزام، حيث قال: على كل محتلم، أي بالغ، وهذا يدل على أن الغسل ملزم به)).
وأما ما استدل به الجمهور على عدم الوجوب، فلا يخلو من جواب:
أما حديث عائشة رضي الله عنها، فإنما ورد في قوم كانوا يأتون من العوالي، وعليهم الغبار والعرق، وتخرج منهم الرائحة، فقال لهم النبي ﷺ: ((لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا)). فلا يدل ذلك على نفي وجوب الغسل، وإنما فيه بيان المناسبة والحكمة الظاهرة من مشروعية الغسل، وهي حصول النظافة وقطع الروائح التي تؤذي المصلين.
ثم إن عدم ورود صيغة الأمر في هذا الحديث لا يعارض الأحاديث الأخرى التي ورد فيها الأمر الصريح بالغسل؛ إذ ليس من شرط ثبوت الوجوب أن تأتي جميع النصوص المتعلقة بالحكم بصيغة واحدة.
وأما حديث سمرة رضي الله عنه: ((من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل))، ففي إسناده كلام من جهة رواية الحسن عن سمرة؛ فإن الراجح أنه لم يسمع منه إلا حديث العقيقة، فيكون الحديث منقطعًا على هذا القول، فلا يقوى على معارضة الأحاديث الصحيحة الصريحة في الأمر بالغسل.
قال الحافظ في الفتح (2/ 362): وله علتان أحدهما أَنَّهُ مِنْ عَنْعَنَةِ الْحَسَنِ وَالْأُخْرَى أَنَّهُ اخْتَلَفَ عليه فيه. ا. هـ
وقال الشيخ مقبل الوادعي رحمه الله في الجواب عن هذا الحديث: "ثم لو ثبت لم يكن في دليل على أن غسل الجمعة ليس بواجب؛ لأن فعل الواجب أفضل من تركه". ا. هـ
وأما حديث عمر رضي الله عنه، فليس فيه تصريح بأن عثمان رضي الله عنه ترك الغسل مع اعتقاده عدم وجوبه، ولا أن عمر رضي الله عنه أقره على تركه، وإنما غاية ما فيه أنه دخل وقد أقيمت الخطبة، فأخبر أنه لم يزد على الوضوء، فأنكر عليه عمر رضي الله عنه بقوله: ((والوضوء أيضًا، وقد علمت أن رسول الله ﷺ كان يأمر بالغسل)).
وعدم أمر عمر رضي الله عنه له بالرجوع إلى الاغتسال لا يلزم منه أن الغسل غير واجب؛ إذ يحتمل أن يكون ذلك لضيق الوقت وخشية فوات الخطبة أو شيء من الجمعة، ولا سيما أن عثمان رضي الله عنه كان قد دخل والإمام يخطب.
ثم إن هذا الحديث نفسه يتضمن حجة للقول بالوجوب؛ لأن عمر رضي الله عنه قال: ((وقد علمت أن رسول الله ﷺ كان يأمر بالغسل)).
فهو يثبت أن النبي ﷺ كان يأمر بالغسل، والأصل في الأمر الوجوب حتى يقوم دليل صحيح صريح يصرفه عن ذلك.
وعليه، فالأحوط للمسلم والأبرأ لذمته أن يغتسل للجمعة، ولا سيما أن النصوص الصحيحة جاءت بالأمر به، وبالتصريح بأنه واجب.
والله تعالى أعلم.