السؤال
هل يجوز أن تشاهد التلفزيون؟
الإجابة
التلفاز من الفتن التي ابتُلي بها أكثر المسلمين في هذا الزمان، ودخل بسببها من الشر والفساد إلى كثير من البيوت ما لا يخفى على عاقل؛ فكان من أعظم أبواب الفتنة التي ينبغي للمسلم أن يحذرها، ولا سيما أن خطرها لم يقف عند الفرد، بل تعداه إلى الأسرة والأبناء والبنات.
فنصيحتي لكم ولغيركم: الحذر من إدخال التلفاز إلى البيت؛ لما اشتمل عليه من مفاسد عظيمة، ولا سيما في هذا الزمان، من التبرج والعري، والأغاني والموسيقى، والمشاهد المحرمة، والأفكار والعقائد الباطلة، والاستهانة بالمنكرات، وتشويه بعض الأحكام الشرعية، وإثارة الشهوات، وإضعاف الحياء والغيرة، وإضاعة الأوقات أمام المسلسلات التركية والهندية والمصرية التي أدخلت من الشرور والفساد إلى كثير من البيوت ما لا يخفى على عاقل.
وخطر التلفاز لا يقتصر على مجرد ما يشاهده الإنسان من المحرمات، بل يتعداه إلى ما يتركه في النفوس من آثار؛ من تغيير القيم والعادات، وإضعاف سلطان الأسرة، وتعويد الناس على رؤية المنكر حتى يألفوه، والتأثير في الأطفال والشباب بالتقليد والمحاكاة.
وقد يعترض بعض الناس فيقول: في التلفاز برامج نافعة من أخبار ودروس ومحاضرات ووثائقيات ونحوها.
والجواب: نعم، قد يوجد فيه شيء من النفع، لكن أين هذا النفع الذي ربما إن وجد فهو كالقطرة في بحر مفاسده وشره؟
وقد قال الله تعالى في الخمر والميسر: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: 219].
فليس كل ما اشتمل على منفعة يكون مباحًا إذا كانت مفسدته أعظم، ومن القواعد المقررة: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح عند تعارضهما، وهذه القاعدة تشهد لها نصوص الشريعة، ومن ذلك حديث النبي ﷺ: ((لا ضرر ولا ضرار)).
وهذا من أعظم الضرر على الدين؛ فإن من يفتح التلفاز في بيته لا يضمن أن لا يسمع موسيقى، ولا يضمن أن لا يرى امرأة متبرجة، فضلًا عما وراء ذلك من المنكرات والمشاهد والأفكار التي تفسد القلوب والأخلاق.
فكم جرَّ النظر إلى الفضائيات من الويلات على الناس! وكم أضاع من شباب وشابات، ورجال ونساء! وكم أهدر من أوقات، وكم أفسد من أخلاق، وأضعف من حياء، وأمات من غيرة، وكم شغل عن الصلاة والقرآن وطلب العلم، وكم أفسد من بيوت، وأهلك من أسر، وكم أثار من النزاعات بين الآباء والأبناء، وبين الأزواج والزوجات، وكم أضعف من سلطة الأسرة وتربيتها!
بل إن أثره لا يقف عند مجرد المشاهدة؛ فإن الإنسان قد يبدأ بالمشاهدة على سبيل الترفيه، ثم يألف ما يراه، ثم يضعف إنكاره للمنكر، حتى يصبح بعض ما كان يستقبحه بالأمس أمرًا عاديًّا في نظره.
ولهذا فليست المسألة: هل يوجد في التلفاز شيء نافع؟ وإنما المسألة: هل هذه المنافع ـ إن وجدت ـ تستحق أن نفتح بسببها بابًا واسعًا لهذه المفاسد على أنفسنا وأهلينا ونسائنا وأبنائنا وبناتنا؟
وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: 6].
فمن أراد السلامة لدينه ودين أهله، فليحذر من إدخال هذا التلفاز والدشوش إلى بيته، وليعوِّض عنها بما ينفع من القرآن، والكتب، والدروس النافعة، والبرامج المأمونة.
فإن حفظ الدين والأخلاق، وحفظ الأبناء والبنات من أسباب الفتنة، وحفظ الأوقات من الضياع، كل ذلك أولى وأعظم من تحصيل منافع مزعومة موهومة، لا تأثير لها في الحقيقة، ويمكن تحصيل ما فيها من نفع ـ إن وُجد ـ من وسائل أخرى مأمونة.
ومما ينبغي أن يختم به في هذا الباب كلامُ العلامة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله، حيث قال: "قال النبي ﷺ: ((ما من عبد يسترعيه الله رعيةً، يموت يوم يموت، وهو غاشٌّ لرعيته، إلا حرَّم الله عليه الجنة))، وهذه الرعاية تشمل الرعاية الكبرى والواسعة، والرعاية الصغرى، وتشمل رعاية الرجل في أهله، لقول النبي ﷺ: ((الرجل راعٍ في أهله، ومسؤول عن رعيته)).
وعلى هذا: فمن مات وقد خلَّف في بيته شيئًا من الدشوش؛ فإنه قد مات وهو غاشٌّ لرعيته، وسوف يُحرم من الجنة، كما جاء في الحديث.
ولهذا نقول: إن أي معصية تترتب على هذا الدش الذي ركَّبه الإنسان قبل موته، فإنه وزرها بعد موته، وإن طال الزمن وكثرت المعاصي.
فاحذر أخي المسلم، احذر أن تُخلِّف بعدك ما يكون إثمًا عليك في قبرك!
وما كان عندك من هذه الدشوش؛ فإن الواجب عليك أن تكسره وتحطمه؛ لأنه لا يتم الانتفاع به إلا على وجه محرَّم حاليًا، ولا يمكن بيعه؛ لأنك إذا بعته سلطت المشتري على استعماله في معصية الله، وحينئذ تكون ممن أعان على الإثم والعدوان، ولا طريق للتوبة من ذلك قبل الموت إلا بتكسير هذه الآلة ـ الدش ـ التي حصل فيها من الشر والبلاء ما هو معلوم اليوم للعام والخاص". انتهى كلامه رحمه الله.
فاحذر ـ يا عبد الله ـ أن تكون ممن يفتح على أهله بابًا من أبواب الفتنة، ثم يموت وتبقى آثار ذلك الباب مفتوحة بعده؛ فإن السعيد من ترك أثرًا صالحًا ينتفع به بعد موته، والشقي من خلَّف وراءه أثرًا سيئًا يجري عليه إثمه وهو في قبره.
والله تعالى أعلم.