السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، لدي سؤالان: الأول أنني أملك عيادة للعلاجات الطبيعية مثل الحجامة والأعشاب وغيرها، وأرغب في إضافة الرقية الشرعية إليها وفق الضوابط الشرعية، مع الاقتصار على رقية الرجال دون النساء. والثاني ما حكم تحديد مبلغ معين للرقية أو لجلسة الرقية؟ نرجو التفصيل في هذه المسألة، جزاكم الله خيرًا.
الإجابة
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
فالرقية الشرعية على المريض جائزة في الأصل، بل هي من الأمور المشروعة التي دلت عليها السنة، وقد حُكي الإجماع على جوازها إذا التزمت بضوابطها الشرعية.
قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (10/195)].: "وقد أجمع العلماء على جواز الرقى عند اجتماع ثلاثة شروط: أن يكون بكلام الله تعالى أو بأسمائه وصفاته، وباللسان العربي أو بما يُعرف معناه من غيره، وأن يُعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها، بل بذات الله تعالى". ا. هـ
وقال الشوكاني رحمه الله: "وقد نقلوا الإجماع على جواز الرقى بالآيات وأذكار الله تبارك وتعالى". [نيل الأوطار (8/231)].
فعلى هذا، لا حرج في أن يرقي الإنسان غيره بالرقية الشرعية، إذا كانت خالية من الشرك والبدع والطلاسم والكلمات المجهولة، وكان اعتقاده أن الشفاء بيد الله تعالى، وأن الرقية سبب من الأسباب.
ومن الأدلة على ذلك حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في قصة رقية سيد الحي بالفاتحة، فلما أخبروا النبي ﷺ بذلك قال لهم: ((وما يدريك أنها رقية؟)) ثم قال: ((قد أصبتم، اقسموا، واضربوا لي معكم سهمًا)). متفق عليه.
وأما أخذ المال على الرقية الشرعية، فقد ذهب جماهير أهل العلم إلى جوازه، وهو قول الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية، واستدلوا بأحاديث صحيحة صريحة، من أشهرها حديث أبي سعيد رضي الله عنه المتقدم؛ فإن الصحابة رقوا سيد الحي بالفاتحة، وجعلوا لهم قطيعًا من الغنم، فلما أخبروا النبي ﷺ أقرهم على ذلك.
ومنها حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: ((إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله)). رواه البخاري.
فهذا يدل على جواز أخذ الأجرة على الرقية الشرعية.
لكن ينبغي أن يُفهم هذا الحكم على وجهه الصحيح؛ فإن جواز أخذ الأجرة شيء، واتخاذ الرقية تجارةً واستغلال حاجة المرضى شيء آخر.
فلا ينبغي للمسلم الذي وفَّقه الله للرقية أن يجعل همه جمع المال، وأن يفتح مكانًا خاصًا للرقية ثم يجعل شغله الشاغل تسعير الجلسات: جلسة خاصة بكذا، وجلسة جماعية بكذا، والجلسة ربع ساعة أو نصف ساعة، فإذا انتهى الوقت ـ ولو كان المريض لا يزال في حاجة إلى الكلام والنصيحة والقراءة ـ قال له: انتهت الجلسة، وإن أردت المزيد فعليك بدفع مبلغ آخر!
ومثل ذلك أن يجعل كل شيء متعلقًا بالرقية سببًا لزيادة المال؛ فيبيع الماء المرقي بسعر مرتفع، والعسل المرقي بسعر أعلى من المعتاد، ونحو ذلك، حتى تتحول الرقية من باب نفع الناس والإحسان إليهم إلى مشروع تجاري قائم على استغلال حاجة المرضى.
وهذا وإن كان أصل أخذ الأجرة جائزًا، إلا أن هذا التوسع والاستغلال مما ينبغي للراقي أن يحذره، وأن يتقي الله فيه، وأن يبتعد عنه.
فالنصيحة التي أراها للراقي الذي يريد الخير لنفسه ولإخوانه: ألا يجعل الرقية مهنةً محضة، وألا يكون همه تحديد الأسعار وتكثير الجلسات وجمع الأموال.
والأولى له أن ينفع من جاءه محتاجًا إلى الرقية، فإن أعطاه شيئًا من غير اشتراط ولا إلحاح أخذه، وإن لم يعطه شيئًا احتسب أجره عند الله تعالى.
وقد قال ابن عبد البر رحمه الله في إباحة أخذ العوض على الرقية: "ومن احتسب ولم يأخذ على ذلك شيئًا، كان له الفضل". ا. هـ "التمهيد" (2/ 270).
وهذا هو المسلك الذي أراه أبعد عن استغلال المرضى، وأقرب إلى الإخلاص والاحتساب.
ونصيحتي للسائل خاصة
أما أنت أيها السائل، فقد ذكرت أن عندك عيادة للعلاجات الطبيعية والحجامة والأعشاب، وتريد أن تضيف إليها الرقية، فنصيحتي لك أن تترك تخصيص مكان تجاري للرقية وتسعير جلساتها، وألا تجعل الرقية نشاطًا تجاريًا قائمًا بذاته، واستمر على ما أنت عليه من بيع العسل وغيره.
وإذا جاءك رجل يحتاج إلى رقية، وكان الأمر ظاهر الحاجة، فاقرأ عليه القرآن والأدعية الشرعية وانصحه ووجِّهه، فإن أعطاك شيئًا من غير اشتراط فلا بأس، وإن لم يعطك شيئًا فاحتسب أجرك عند الله.
وأرى أن هذا أحفظ لك في دينك، وأبعد عن أن يتحول الأمر مع مرور الوقت إلى التوسع في أبواب المال، وأبعد كذلك عن كثير من المخالفات التي وقع فيها بعض من امتهنوا الرقية.
فالرقية باب عظيم من أبواب نفع المسلمين، فلا ينبغي أن يتحول إلى باب لاستغلال ضعفهم وحاجتهم.
والخلاصة:
الرقية الشرعية جائزة، وقد حُكي الإجماع على جوازها بضوابطها. وأخذ الأجرة عليها جائز عند جماهير أهل العلم، وثبتت بذلك السنة.
لكن لا ينبغي جعل الرقية مشروعًا تجاريًا مستقلًا يقوم على تسعير الجلسات، وتكثيرها، واستغلال حاجة المرضى، وجعل الهم الأكبر تحصيل المال.
فإن احتاج الإنسان إلى المال، فلا نقول له: إن أخذ الأجرة على الرقية حرام؛ بل هي جائزة في الأصل، لكن عليه أن يتقي الله، ويرفق بالناس، ولا يستغل ضعفهم، ولا يجعل الرقية بابًا للثراء وجمع الأموال.
والله تعالى أعلم.