السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حياكم الله وبارك فيكم وفي أوقاتكم. هناك أخت ملتزمة بالمنهج السلفي، ولله الحمد، تسأل: هل يجوز أن تحفظ القرآن عند معلمة عامية، حيث يتم أحيانًا تصوير الطالبات مع طمس وجوههن ووضع الصور على مواقع التواصل، مع العلم أنها لا تُصوَّر معهن لاعتقادها بتحريم الصور؟ جزاكم الله خيرًا.
الإجابة
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
أولًا: ينبغي للمرأة المسلمة أن تحرص على أن تتلقى القرآن والعلم عمن تثق بدينه وأمانته ومنهجه؛ فإن العلم دين، وقد قال محمد بن سيرين رحمه الله: "إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم".
وقراءة القرآن على المعلمة، وإن كانت في أصلها أمرًا مشروعًا، إلا أن فيها نوع اقتداء وأخذ وتلقٍّ عنها، ولهذا ينبغي أن تكون المعلمة ممن يُوثق بدينها وسلامة منهجها، ولا سيما أن القرآن هو أصل العلوم وأشرفها، فلا يليق أن يكون أخذه وتلقّيه على يد من لا يُعرف بالعلم والاستقامة.
فإن كانت المعلمة من أهل الأهواء والبدع، أو ممن عُرف عنها مخالفة السنة، فلا ينبغي للمرأة أن تتلقى عنها؛ لأن ملازمة الشخص والأخذ عنه قد تؤدي إلى التأثر به، وربما جاء وقت تفتتن فيه المرأة بشيء من باطلها وهي لا تشعر، خصوصًا مع طول الملازمة وكثرة التلقي.
وأما كون المعلمة عامية، فهذه مسألة أخرى ينبغي التنبه لها: فمن متى كان العلم يؤخذ عن العوام؟! فالقرآن أصل العلوم، وتعلمه ليس مجرد تصحيح ألفاظ فحسب، بل هو دين يتلقى، وتعليم له أحكام وآداب وتفسير وتجويد وغير ذلك؛ فالأصل أن يؤخذ عن أهل العلم وأهل الخبرة والضبط، لا عن مجرد من يحسن القراءة فحسب.
ثم إن الأمر في السؤال لم يقف عند كون المعلمة عامية، بل اقترن ذلك بعدة أمور أخرى ينبغي للمرأة المسلمة أن تتقي الله فيها.
ومن ذلك: التصوير، وهذا من المنكرات العظيمة التي ينبغي للمسلمة أن تبتعد عنها، ويشتد الأمر إذا كان التصوير للنساء؛ لما يترتب على تصويرهن من مفاسد ومحاذير، ثم إن الأمر لم يقف عند التصوير، بل تعداه إلى نشر تلك الصور في مواقع التواصل، وهذا يزيد الأمر سوءًا؛ لما يترتب على النشر من انتشار الصور وخروجها عن السيطرة، ودخولها في أيدي من لا يحل له النظر إليها، فضلًا عما قد يصاحب هذا النشر من محاذير أخرى.
وقد يكون الدافع إلى مثل هذا النشر التفاخر والتعالي، وإظهار كثرة الطالبات أو الإنجازات، وقد يكون لأجل جمع الأموال والتبرعات، ومهما كان الغرض فلا يجوز أن تكون الأعمال الصالحة وسيلة إلى ما لا يرضي الله تعالى، ولا أن يطلب نفعٌ دنيوي بطريق مشتمل على محرم.
وعليه؛ فنصيحتي لهذه الأخت أن تترك هذه الحلقة، وأن تبحث عن امرأة موثوقة في دينها وعقيدتها ومنهجها، معروفة بالاستقامة والأمانة، لتقرأ عليها القرآن، فإن لم تجد في بلدها أو في محيطها القريب من يقوم بذلك، فلا يلزمها أن تجعل حفظ القرآن متوقفًا على هذه المعلمة.
وكون الأخت ـ ولله الحمد ـ حريصة على المنهج السلفي يقتضي منها أن تكون أشد عناية بمن تأخذ عنه؛ فإن الواجب على المرأة المسلمة أن تتعلم أحكام دينها، ولا سيما ما تحتاج إليه في عبادتها وعقيدتها ومعاملاتها، ولا ينبغي أن يكون همها مجرد حفظ القرآن مع التفريط في التفقه في معانيه وأحكامه.
وأما حفظ القرآن فليس واجبًا على المرأة بعينه، وإنما الواجب عليها أن تتعلم من القرآن ما تصح به عبادتها، وما تحتاج إليه في صلاتها ونحوها. وأما حفظ القرآن كله فهو فضيلة عظيمة، لكن لا ينبغي أن تحصله المرأة بطريق يوقعها في محاذير شرعية.
فإن لم تجد الأخت في منطقتها معلمة موثوقة على المنهج القويم، فيمكنها أن تستفيد من الوسائل المتاحة، كالسماع إلى القراء المتقنين، ومتابعة المصحف معهم، والاستعانة بالتسجيلات الصوتية في ضبط التلاوة والحفظ، ويحصل به بإذن الله المفصود.
وأوصيها ـ مع ذلك ـ ألا تجعل عنايتها بالقرآن مقتصرة على الحفظ والتلاوة، بل تقبل على التفقه في دين الله، وتستمع إلى الدروس العلمية النافعة عبر الذواكر والتسجيلات، وتختار دروس العلماء المعروفين بالسنة والاستقامة، فتتعلم العقيدة والفقه والحديث والتفسير وغير ذلك مما تحتاج إليه المرأة المسلمة.
والخلاصة: أنصح هذه الأخت بترك هذه الحلقة، والبحث عن معلمة موثوقة في دينها ومنهجها، فإن لم تجد فلتستفد من وسائل التعلم المأمونة المتاحة لها، ولا تجعل حفظ القرآن سببًا في ملازمة من لا تثق بدينها أو منهجها أو المشاركة في بيئة تشتمل على مثل هذه المخالفات.
والله تعالى أعلم.