السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حياكم الله شيخنا الفاضل، أسأل الله أن يبارك فيكم وفي وقتكم. هناك شخص يسأل: هل يجوز له بيع سيارته لامرأة؟ وجزاكم الله خيرًا.
الإجابة
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
إن كان المقصود من السؤال أن هذه المرأة تريد شراء السيارة لنفسها لتقودها وتركبها في الطرقات والأماكن العامة، فالذي نراه أن لا يبيعها لها؛ وذلك لما يترتب على قيادة المرأة للسيارة من مفاسد ومحاذير كثيرة، منها: الخلوة المحرمة، والاختلاط بالرجال، والسفور والتبرج، والتعرض للفتنة، وإمكان تعطل السيارة في مكان بعيد وانفراد المرأة بمن قد يتعرض لها، وما يترتب على خروجها وذهابها وإيابها من أمور لا تؤمن عواقبها، فضلًا عن أن الشريعة جاءت بسد الذرائع المفضية إلى المحرمات.
وقد سئل العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله عن حكم قيادة المرأة للسيارة، فقال: معلوم أنها تؤدي إلى مفاسد لا تخفى على الداعين إليها، منها: الخلوة المحرمة بالمرأة، ومنها: السفور، ومنها: الاختلاط بالرجال بدون حذر، ومنها: ارتكاب المحظور الذي من أجله حرمت هذه الأمور، والشرع المطهر منع الوسائل المؤدية إلى المحرم واعتبرها محرمة)).
ثم قال رحمه الله: وقيادة المرأة من الأسباب المؤدية إلى ذلك، وهذا لا يخفى. اهـ
ثم ذكر رحمه الله جملة من الأدلة والقواعد الشرعية في منع الوسائل المفضية إلى الفتنة والمحرم.
وقد سئل العلامة العثيمين رحمه الله، عن قيادة المرأة للسيارة، فقال:
الجواب على هذا السؤال ينبني على قاعدتين مشهورتين بين علماء المسلمين :
القاعدة الأولى : أن ما أفضى إلى محرم فهو محرم . والدليل قوله تعالى : {وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ} الأنعام/108 ، فنهى الله عن سب آلهة المشركين – مع أنه مصلحة – لأنه يفضي إلى سب الله تعالى .
القاعدة الثانية: أن درء المفاسد – إذا كانت مكافئة للمصالح أو أعظم – مقدم على جلب المصالح . والدليل قوله تعالى: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} البقرة/219 ، وقد حرم الله الخمر والميسر مع ما فيهما من المنافع درءاً للمفسدة الحاصلة بتناولهما .
وبناء على هاتين القاعدتين يتبين حكم قيادة المرأة للسيارة . فإن قيادة المرأة للسيارة تتضمن مفاسد كثيرة، فمن مفاسدها :
1- نزع الحجاب : لأن قيادة السيارة سيكون بها كشف الوجه الذي هو محل الفتنة ومحط أنظار الرجال ، ولا تعتبر المرأة جميلة أو قبيحة على الإطلاق إلا بوجهها ، أي أنه إذا قيل جميلة أو قبيحة ، لم ينصرف الذهن إلا إلى الوجه ، وإذا قصد غيره فلا بد من التقييد ، فيقال جميلة اليدين ، أو جميلة الشعر ، أو جميلة القدمين . وبهذا عرف أن الوجه مدار القاصدين .
وقد يقول قائل : إنه يمكن أن تقود المرأة السيارة بدون نزع الحجاب ، بأن تتلثم المرأة وتلبس في عينيها نظارتين سوداوين .
والجواب على ذلك أن يقال : هذا خلاف الواقع من عاشقات قيادة السيارة ، واسأل من شاهدهن في البلاد الأخرى ، وعلى فرض أنه يمكن تطبيقه في ابتداء الأمر فإن الأمر لن يدوم طويلا ، بل سيتحول – في المدى القريب – إلى ما عليه النساء في البلاد الأخرى ، كما هي سنة التطور المتدهور في أمور بدأت هينة مقبولة بعض الشيء ثم تدهورت منحدرة إلى محاذير مرفوضة .
2- من مفاسد قيادة المرأة للسيارة : نزع الحياء منها ، والحياء من الإيمان – كما صح ذلك عن النبي ﷺ – والحياء هو الخلق الكريم الذي تقتضيه طبيعة المرأة وتحتمي به من التعرض للفتنة ، ولهذا كانت مضرب المثل فيه فيقال ( أحيا من العذراء في خدرها ) ، وإذا نزع الحياء من المرأة فلا تسأل عنها .
3- ومن المفاسد : أنها سبب لكثرة خروج المرأة من البيت والبيت خير لها – كما أخبر بذلك النبي المعصوم ﷺ – لأن عاشقي القيادة يرون فيها متعة ، ولهذا تجدهم يتجولون في سياراتهم هنا وهناك بدون حاجة لما يحصل لهم من المتعة بالقيادة .
4- ومن مفاسدها أن المرأة تكون طليقة تذهب إلى ما شاءت ومتى شاءت وحيث شاءت إلى ما شاءت من أي غرض تريده ، لأنها وحدها في سيارتها ، متى شاءت في أي ساعة من ليل أو نهار، وربما تبقى إلى ساعة متأخرة من الليل . وإذا كان الناس يعانون من هذا في بعض الشباب ، فما بالك بالشابات ؟؟! وحيث شاءت يمينا وشمالا في عرض البلد وطوله ، وربما خارجه أيضاً .
5- ومن المفاسد : أنها سبب لتمرد المرأة على أهلها وزوجها ، فلأدنى سبب يثيرها في البيت تخرج منه وتذهب في سيارتها إلى حيث ترى أنها تروح عن نفسها فيه ، كما يحصل ذلك من بعض الشباب وهم أقوى تحملا من المرأة .
6- ومن مفاسدها : أنها سبب للفتنة في مواقف عديدة : في الوقوف عند إشارات الطريق – في الوقوف عند محطات البنزين – في الوقوف عند نقطة التفتيش – في الوقوف عند رجال المرور عند التحقيق في مخالفة أو حادث – في الوقوف لملء إطار السيارة بالهواء– في الوقوف عند خلل يقع في السيارة في أثناء الطريق ، فتحتاج المرأة إلى إسعافها ، فماذا تكون حالتها حينئذ ؟ ربما تصادف رجلا سافلا يساومها على عرضها في تخليصها من محنتها ، لاسيما إذا عظمت حاجتها حتى بلغت حد الضرورة .
7- من مفاسد قيادة المرأة للسيارة : كثرة ازدحام الشوارع ، أو حرمان بعض الشباب من قيادة السيارات وهم أحق بذلك وأجدر .
8- من مفاسدها أنها سبب للإرهاق في النفقة ، فإن المرأة – بطبيعتها – تحب أن تكمل نفسها مما يتعلق بها من لباس وغيره ، ألا ترى إلى تعلقها بالأزياء ، كلما ظهر زِيٌّ رمت بما عندها وبادرت إلى الجديد ، وإن كان أسوأ مما عندها . ألا ترى ماذا تعلق على جدرانها من الزخرفة . وعلى قياس ذلك – بل لعله أولى منه – السيارة التي تقودها ، فكلما ظهر موديل جديد فسوف تترك الأول إلى هذا الجديد .
أما قول السائل : وما رأيكم بالقول : إن قيادة المرأة للسيارة أخف ضررا من ركوبها مع السائق الأجنبي؟
فالذي أراه أن كل واحد منهما فيه ضرر ، وأحدهما أضر من الثاني من وجه ، ولكن ليس هناك ضرورة توجب ارتكاب أحدهما .
واعلم أنني بسطت القول في هذا الجواب لما حصل من المعمعة والضجة حول قيادة المرأة للسيارة ، والضغط المكثف على المجتمع السعودي المحافظ على دينه وأخلاقه ليستمرئ قيادة المرأة للسيارة ويستسيغها .
وهذا ليس بعجيب لو وقع من عدو متربص بهذا البلد الذي هو آخر معقل للإسلام يريد أعداء الإسلام أن يقضوا عليه ، ولكن هذا من أعجب العجب إذا وقع من قوم من مواطنينا ومن أبناء جلدتنا يتكلمون بألسنتنا، ويستظلون برايتنا . قوم انبهروا بما عليه دول الكفر من تقدم مادي دنيوي فأعجبوا بما هم عليه من أخلاق، تحرروا بها من قيود الفضيلة إلى قيود الرذيلة . ا.هـ
وقال في موضع آخر:
إنّ من رأيي أنا أنَّ المرأة لا تقود السّيّارة، يعني: هل قلّ الرجال وما بقي إلا أن نضطر إلى النّساء؟!!
أبدًا، ما قلّ الرّجال، الرّجال كثيرون، وقيادة المرأة للسّيّارة فيها أخطار كثيرة، إذا كنّا الآن نخشى مِن شبابنا إذا ذهبوا بالسّيّارات إلى البرّ وغيره نخشى عليهم من الفتنة، فكيف بالمرأة؟!
من يضبط المرأة إذا أخذت السّيّارة وخرجت إلى البرّ أو لأيّ إنسان تريده؟! من يضبط هذا؟!
الحقيقة أنّي أتعجّب من بعض النّاس كيف ينظرون إلى الأمور بظواهرها ويقولون: إنّ المرأة لا بأس أن تقود السّيّارة كما كانت النّساء تركب الجمال في عهد الرّسول صلّى الله عليه وسلّم، نحن نقول: لا ننكر أصل قيادة المرأة للسّيّارة، عمل كغيره من الأعمال، لكن ما يترتّب عليه من المفاسد الكثيرة العظيمة نمنعه، والشريعة الإسلاميّة جاءت لسدّ الذّرائع الموصلة إلى المحرّمات.
ثمّ لسنا في ضرورة والحمد لله، فالشّباب كثيرون، والمرأة إذا تعوَّد أخوها أو ابنها قيادة السيارة كفاها.
فليتكم تبثّون هذا الكلام هناك، وأنّه لا ينبغي للمرأة أن تقود السّيّارة، وأنّ الواجب منعها من ذلك، لا أنّ أصل القيادة حرام حتى لا يحتجّ علينا محتجّ، نقول: السّياقة حلال لكن ما يترتّب عليها من المفاسد يجب أن تمنع المرأة منه. ا. هـ
وعليه؛ فالمسألة ليست أن بيع السيارة للمرأة محرم في ذاته، فالمرأة يجوز لها أن تشتري وتبيع، وإنما الكلام فيمن يعلم أن المشتري سيستعمل هذه السيارة في أمر محرمٍ؛ فهنا يدخل الأمر في الإعانة على ما يعتقد أنه معصية، والله سبحانه يقول: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2].
فإذا كان الرجل يعلم يقينًا أو يغلب على ظنه أن المرأة ستشتري السيارة لتقودها في الطرق العامة، فالذي نراه أن لا يبيعها لها، خروجًا من الإعانة على ما فيه مفسدة، وابتعادًا عن الشبهة.
أما إذا كان لا يعلم الغرض من شرائها، أو كانت ستشتريها لولدها أو لأمرٍ مباح، أو كان الأمر مجرد احتمال بعيد، فلا ينبغي أن يتكلف ما لا دليل عليه.
والله تعالى أعلم.