الموقع الرسمي للشيخ أبي عبدالرحمن خليل الحمادي
الفتاوى · الأحكام · المسائل

ابحث عن الحكم، بوضوح وطمأنينة.

تصفح الفتاوى والمسائل العلمية المصنفة لتصل إلى الإجابات والمحتوى الذي تبحث عنه بسهولة ويسر.

← العودة إلى الفتاوى
رقم الفتوى #0113

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته شيخنا ماحكم قول تارك الصلاة قبل الوفاة أشهد ان لا إله الا الله وان محمد رسول الله اللهم ارحمنا برحمتك الواسعة

الإجابة

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته تارك الصلاة على حالين: الأول: من جحد وجوبها، بأن اعتقد أن الصلاة ليست واجبة؛ فهذا كافر كفرًا أكبر بإجماع أهل العلم؛ لأنه مكذب لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وقد دل على وجوب الصلاة الكتاب والسنة وإجماع المسلمين. نقَلَ الإجماعَ على ذلك ابنُ تيميَّة فقال: أمَّا تارِكُ الصلاة، فهذا إنْ لم يكُن معتقِدًا لوجوبها، فهو كافرٌ بالنصِّ والإجماع. ا. هـ مجموع الفتاوى (22/40). الثاني: من تركها بالكلية تكاسلًا وتهاونًا، مع اعتقاده وجوبها، فهذا قد اختلف فيه أهل العلم؛ فالجمهور على أنه لا يكفر كفرًا مخرجًا من الملة، وذهب جمع من أهل العلم إلى كفره، وهذا مذهبُ الحنابلةِ ، ووجهٌ عند الشافعيَّة ، وقولٌ عند المالكيَّة ، وبه قالتْ طائفةٌ من السَّلَفِ ، وهو مذهبُ جمهورِ أصحابِ الحديثِ ، وذهَب إلى هذا ابنُ تَيميَّة ، وابنُ القَيِّم ، واختاره ابنُ عُثَيمين؛ وهذا القول هو الراجح؛ لحديث جابرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْه، قال: سمعتُ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقول: ((إنَّ بَينَ الرَّجُلِ وبينَ الشِّركِ والكُفرِ تَرْكَ الصَّلاةِ )). رواه مسلم وعن عبدِ اللهِ بن بُرَيدةَ، عن أبيه، قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((إنَّ العَهدَ الذي بيننا وبينهم الصَّلاةُ، فمَن تَرَكها فقدْ كَفَرَ )). أخرجه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه وصححه الألباني. قال عبدُ اللهِ بنُ شَقيقٍ العُقيليُّ: (كان أصحابُ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لا يَرَونَ شيئًا من الأعمالِ تَرْكُه كفرٌ غيرَ الصَّلاةِ). أخرجه الترمذي وصححه الألباني. قال الشوكاني في النيل: هذه الصِّيغة تدلُّ على أنَّ الصحابة اجتَمَعوا على هذه المقالة؛ لأنَّ قوله: (كان أصحابُ رسولِ الله) جمْعٌ مُضاف، وهو مِن المُشْعِرات بذلك. ا. هـ والمراد هنا من ترك الصلاة بالكلية، فلا يصلي الفروض أبدًا، لا من فاتته صلاة أو صلاتان، أو كان يصلي أحيانًا ويترك أحيانًا؛ فهذه لها أحكامها وتفصيلها. وأما الختم بالشهادة فلا شك أن شأنه عظيم؛ فمن وُفِّق في آخر حياته لأن يقول: ((أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله))، فهذه بشارة عظيمة من حيث الأصل، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة)). رواه أبو داود من حديث مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وصححه الألباني. لكن ينبغي أن نعلم أن حسن الخاتمة والتوفيق للنطق بالشهادة عند الموت ليس أمرًا يتمكن منه كل أحد بمجرد تمنيه؛ فإن هذا المقام مقام تثبيت من الله، ولا يثبت إلا من ثبته الله. قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾. قال العلامة السعدي رحمه الله في تفسيره: يخبر تعالى أنه يثبت عباده المؤمنين، أي: الذين قاموا بما عليهم من إيمان القلب التام، الذي يستلزم أعمال الجوارح ويثمرها، فيثبتهم الله في الحياة الدنيا عند ورود الشبهات بالهداية إلى اليقين، وعند عروض الشهوات بالإرادة الجازمة على تقديم ما يحبه الله على هوى النفس ومراداتها. وفي الآخرة عند الموت بالثبات على الدين الإسلامي والخاتمة الحسنة، وفي القبر عند سؤال الملكين، للجواب الصحيح...". ا. هـ فالتثبيت عند الموت وفي القبر إنما هو ثمرة إيمان راسخ وعمل صالح، وليس مجرد كلمة يقولها اللسان في آخر لحظة؛ ولذلك ينبغي للإنسان أن يخاف على نفسه، وأن يسأل الله الثبات، وأن يعمر قلبه بالإيمان وجوارحه بالطاعة، وأن يحذر من الغفلة والإعراض؛ فإن الإنسان يُبعث على ما مات عليه. وعليه، فإذا كان الشخص تاركًا للصلاة بالكلية، ثم قال عند موته: ((أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله))، فلا نستطيع بمجرد هذه الكلمة أن نجزم بأنه تاب من ترك الصلاة، ولا أن نحكم له بحسن الخاتمة بمجردها؛ بل ينظر: هل قالها توبةً من ترك الصلاة ورجوعًا إلى الله، أم قالها مجرد نطق بالشهادة؟ فإن صرَّح بتوبته ورجوعه إلى الصلاة قبل أن يغرغر، فقال مثلًا: ((تبت إلى الله من ترك الصلاة، وأنا راجع إلى الله))، ثم شهد الشهادتين، فهذه توبة ظاهرة، ومن تاب تاب الله عليه ما لم تبلغ الروح الحلقوم. أما مجرد قوله الشهادتين مع بقائه على ترك الصلاة، فلا يكفي للحكم بأنه تاب من ذلك؛ لأن التوبة تقتضي الإقلاع عن الذنب والرجوع إلى الله. وقد سئل العلامة ابن باز رحمه الله عمن مات وهو تارك للصلاة، ولم يصرح بالتوبة، ومع ذلك فقد نطق بالشهادتين فقال: ((إذا لم يصرح بالتوبة ذكر الشهادة، هو يقولها وهو حي الشهادة، هو يقولها وهو حي، والمنافقون يقولونها، فلا تنفعهم إذا لم يكن معها توبة من الكفر بالله، فإذا كان لا يصلي، أو يعرف أنه يسب الدين، أو أنه لا خير فيه، فكلمة الشهادتين ما تنفعه لا في حياته، ولا عند الموت، إلا إذا كان عن توبة فأمره إلى الله يوم القيامة، فظاهره الشر، فلا يصلى عليه، ولا يغسل، نسأل الله العافية. أما إذا قال: تبت إلى الله من عملي، وأنا كنت لا أصلي، وأنا أشهدكم أني تائب، أو صرح عندهم: إني تبت إلى الله من ترك الصلاة وكذا، ثم مات، فيكون حكمه حكم التائبين، نعم. اهـ. فعلى هذا، فمن مات وهو تارك للصلاة بالكلية، ولم تُعلم له توبة منها، ثم قال عند موته: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله"، فلا يكفي مجرد ذلك في الحكم بأنه تاب من ترك الصلاة؛ لأن التوبة من ترك الصلاة تقتضي الرجوع إليها والإقلاع عن تركها، فإن صرَّح بتوبته ورجوعه إلى الصلاة، أو دلت القرائن على ذلك، حُكم له بحكم التائبين، فيُغسَّل ويُصلَّى عليه، وإلا فلا، وأمره في الآخرة إلى الله تعالى. نسأل الله تعالى أن يحسن خاتمتنا، وأن يثبتنا على دينه، وأن يجعل آخر كلامنا من الدنيا: لا إله إلا الله. والله تعالى أعلم.
● مباشر /
إذاعة القرآن الكريم من بني حماد