السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، كيف حالك شيخنا العزيز، حفظك الله وبارك فيك. سؤالي عن بعض الألفاظ المنتشرة بكثرة ولا نعلم مدى صحتها، مثل أن يطلب شخص من آخر ماء فيمنعه، فيقول له: (جبريل تمنى أن يكون سقاء). فهل هذا القول صحيح؟ وإن لم يكن صحيحاً، فما حكم من يقوله؟ حفظكم الله وبارك فيكم.
الإجابة
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
لا أعلم ـ فيما وقفتُ عليه ـ لهذا الكلام أصلًا مرفوعًا صحيحًا، ولا أعلم ثبوت أن جبريل عليه السلام تمنى أن يكون في الأرض يسقي الماء.
وقد وقفتُ على من ذكر هذه العبارة، وهو القرافي رحمه الله في كتابه الفروق، حيث نقل عن الفشني قوله في الكلام على الصلح بين المسلمين: "وَيَجُوزُ الْكَذِبُ فِي الصُّلْحِ الْجَائِزِ، وَهُوَ مَا لَا يُحِلُّ حَرَامًا، وَلَا يُحَرِّمُ حَلَالًا، مُبَالَغَةً فِي وُقُوعِ الْأُلْفَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، قِيلَ: تَمَنَّى جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ يَكُونَ فِي الْأَرْضِ يَسْقِي الْمَاءَ وَيُصْلِحُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. ا. هـ
والقرافي لم يسقها على أنها حديث ثابت، وإنما قال: "قيل"، وهذه الصيغة تدل على أنه لم يجزم بثبوتها. كما أن الكلام ليس فيه إسناد ولا عزو إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يصح أن تُتداول العبارة على أنها حديث أو خبر ثابت عن جبريل عليه السلام.
ومع ذلك، فالأدلة في فضل سُقيا الماء كثيرة، وقد جاءت السنة ببيان عظيم أجره، فمن ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل: أي الصدقة أفضل؟ فقال: ((سَقْيُ الماء)). رواه أبو داود من حديث سعد بن عبادة.
وثبت في الصحيحين أن امرأةً بغيًّا رأت كلبًا يأكل الثرى من العطش، فسقته، فغفر الله لها، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((في كل كبد رطبة أجر)).
وثبت كذلك أن رجلًا رأى كلبًا قد اشتد به العطش، فسقاه، فشكر الله له فغفر له، فقال الصحابة رضي الله عنهم: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم أجرًا؟ فقال صلى الله عليه وسلم: ((في كل كبد رطبة أجر)). متفق عليه عن أبي هريرة.
فـسُقيا الماء من الصدقات العظيمة والأعمال الفاضلة، وقد جاءت النصوص الصحيحة ببيان فضلها، فلا نحتاج في إثبات فضلها إلى هذا الخبر الذي لم يثبت.
وعليه؛ فالذي ينبغي ترك هذا الكلام، والاكتفاء بالأحاديث الصحيحة الواردة في فضل سُقيا الماء؛ ففيها غُنيةٌ وكفاية، ولا حاجة إلى تداول ما لم يثبت.
والله تعالى أعلم.