الموقع الرسمي للشيخ أبي عبدالرحمن خليل الحمادي
الفتاوى · الأحكام · المسائل

ابحث عن الحكم، بوضوح وطمأنينة.

تصفح الفتاوى والمسائل العلمية المصنفة لتصل إلى الإجابات والمحتوى الذي تبحث عنه بسهولة ويسر.

← العودة إلى الفتاوى
رقم الفتوى #0117

السؤال

هل يجوز أن تقرأ المرأة القرآن وهي حائض؟

الإجابة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد: فمسألة الحائض مع القرآن ينبغي أن يفرق فيها بين قراءة القرآن عن ظهر قلب، وبين مس المصحف؛ فإن لكل مسألة حكمها ودليلها. أولا: قراءة الحائض للقرآن عن ظهر قلب اختلف أهل العلم في قراءة الحائض للقرآن، والراجح - والله أعلم - جواز ذلك؛ إذ لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث صحيح صريح يمنع الحائض من قراءة القرآن. ومن أقوى ما يستدل به على ذلك أن النساء كن يحضن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم ينقل عنه صلى الله عليه وسلم نهي صحيح صريح للحائض عن قراءة القرآن، مع كثرة وقوع الحيض والحاجة إلى معرفة حكمه. ولو كانت الحائض ممنوعة من قراءة القرآن، لورد في ذلك من البيان ما تقوم به الحجة، لا سيما أن الحيض أمر معتاد للنساء لا ينفك عنهن. وقد فرق شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بين الحائض والجنب، فقال إن الجنب يمكنه أن يغتسل متى شاء، بخلاف الحائض فإن مدة حيضها تطول، ومنعهـا من القراءة يفضي إلى فوات حفظها أو نسيانه. ولهذا ذهب إلى جواز قراءة الحائض للقرآن عن ظهر قلب جماعة من أهل العلم، منهم مالك، ورواية عن أحمد، واختارها شيخ الإسلام ابن تيمية، ورجحها الشوكاني، وغيرهم. ثانيا: مس الحائض للمصحف أما مس المصحف، فقد اختلف فيه أهل العلم على قولين مشهورين: القول الأول: منع الحائض من مس المصحف. وهو قول جمهور أهل العلم، واستدلوا بقول الله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: 79]. وبحديث عمرو بن حزم رضي الله عنه في الكتاب الذي كتبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهل اليمن: ((ألا يمس القرآن إلا طاهر)). وقد صحح الحديث جماعة من أهل العلم، وحملوا قوله ((طاهر)) على المتطهر من الحدث. واستدلوا كذلك بما جاء عن جماعة من الصحابة في تعظيم المصحف ومنع مسه على غير طهارة. وهذا هو الذي نقله شيخ الإسلام ابن تيمية عن عامة العلماء، فقال: ((ومس المصحف عند عامة العلماء، وكذلك قراءة القرآن في أحد قولي العلماء)). مجموع الفتاوى (26/177). القول الثاني: جواز مس الحائض للمصحف. وهو قول داود وأهل الظاهر، ونقل ابن حزم القول بذلك عن ربيعة، وسعيد بن المسيب، وابن جبير، وابن عباس، وغيرهم. قال ابن حزم رحمه الله: ((وقراءة القرآن والسجود فيه ومس المصحف وذكر الله تعالى جائز، كل ذلك بوضوء وبغير وضوء وللجنب والحائض. برهان ذلك أن قراءة القرآن والسجود فيه ومس المصحف وذكر الله تعالى أفعال خير مندوب إليها مأجور فاعلها، فمن ادعى المنع فيها في بعض الأحوال كلف أن يأتي بالبرهان)). المحلى بالآثار (1/95). واستدل أصحاب هذا القول بأصل عظيم، وهو أن الأصل براءة الذمة وعدم المنع. وأما قوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ فقالوا: إن الآية ليست نصا في المصحف الذي بأيدي الناس؛ فإن سياقها في الكتاب المكنون، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ۝ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ ۝ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾. وقد فسر جماعة من السلف ((المطهرين)) بالملائكة، فيكون المراد بالآية الكتاب المكنون الذي في السماء، لا المصحف الذي في أيدي الناس. وأما حديث: ((ألا يمس القرآن إلا طاهر)) فقد اختلف أهل العلم في ثبوته، فمنهم من صححه، ومنهم من تكلم في إسناده، وعلى تقدير ثبوته فقد وقع الخلاف أيضا في المراد بالطاهر فيه: هل المراد به المتطهر من الحدث، أم أن المراد بالطهارة معنى آخر؟ وقد نقل الشوكاني في نيل الأوطار عن العلامة محمد بن إبراهيم الوزير رحمه الله كلاما في هذا المعنى، فقال: ((إن إطلاق اسم النجس على المؤمن الذي ليس بطاهر من الجنابة أو الحيض أو الحدث الأصغر لا يصح لا حقيقة ولا مجازا ولا لغة)). ثم قال الشوكاني: ((فإن ثبت هذا فالمؤمن طاهر دائما، فلا يتناوله الحديث سواء كان جنبا أو حائضا أو محدثا أو على بدنه نجاسة)). نيل الأوطار (1/259). ويؤيد هذا الأصل ما ثبت في السنة من أن الحائض ليست نجسة العين، وإنما الحيض حدث تترتب عليه أحكام مخصوصة. فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ناوليني الخمرة من المسجد)). فقالت: إني حائض، فقال: ((إن حيضتك ليست في يدك)). رواه مسلم. فدل الحديث على أن الحيض لا يجعل بدن المرأة ويدها نجسين، وأن الحائض ليست نجسة العين. وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه لقي النبي صلى الله عليه وسلم وهو جنب، فانخنس منه، فذهب فاغتسل، ثم جاء، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((أين كنت يا أبا هريرة؟)) قال: كنت جنبا، فكرهت أن أجالسك وأنا على غير طهارة، فقال صلى الله عليه وسلم: ((سبحان الله، إن المسلم لا ينجس)). فدل ذلك على أن الجنابة لا تجعل بدن المسلم نجسا، والحيض أولى من جهة أنه ليس نجاسة عينية في بدن المرأة. ويؤيد جانب الجواز أيضا حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها لما حاضت في الحج: ((افعلي ما يفعل الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت)). متفق عليه. فالنبي صلى الله عليه وسلم لما بين لها ما تفعله حال الحيض استثنى الطواف، ولم يستثن قراءة القرآن ولا مس المصحف. وهذا يدل على أن الأصل عدم منع الحائض من العبادات والأعمال إلا ما قام الدليل على منعه. والراجح - والله أعلم - أن الحائض يجوز لها قراءة القرآن، سواء قرأت عن ظهر قلب أم قرأت من المصحف، ولا سيما عند الحاجة؛ إذ لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث صحيح صريح يمنع الحائض من قراءة القرآن، ولا يثبت في منعها من مس المصحف دليل سالم من المناقشة، والأصل براءة الذمة وعدم المنع حتى يقوم الدليل الناقل عن هذا الأصل. والله تعالى أعلم.
● مباشر /
إذاعة القرآن الكريم من بني حماد