السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حياك الله يا شيخ وحفظك ورعاك.
هناك شخص لديه سؤال: ما هو الراجح في هذه المسألة؟
أحد الإخوة اشترى قطعة أرض بثلاثة مليارات و800 مليون، ودفع عربونًا لصاحب الأرض قدره 100 مليون. وبعد حوالي 20 يومًا قرر أنه لا يريد الشراء.
فهل يجب على صاحب الأرض إعادة مبلغ العربون 100 مليون أم يحق له الاحتفاظ به لنفسه؟
ما هو القول الصحيح والراجح في ذلك؟ جزاك الله خيرًا.
الإجابة
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
هذا يُسمَّى بيعَ العربون، وصفته: أن يشتري الرجل السلعة، ويدفع شيئًا من المال، على أنَّه إن تمَّ البيع حُسِبَ ذلك من الثمن، وإن لم يتمَّ البيع كان المال للبائع.
وصورة المسألة: أن يشتري رجلٌ سلعةً من شخصٍ بألف ريال، ويدفع له مئة ريال مثلًا، على أنَّه إن أخذ السلعة وأتمَّ البيع كانت المئة من الثمن، وإن عَدَل عن الشراء كانت المئة للبائع.
وقد اتَّفق أهل العلم على أنَّ المتبايعين إذا اتَّفقا على أنَّه في حال عَدول المشتري عن الشراء فإن ما سلَّمه يرجع إليه، فإنَّ ذلك جائز؛ لأنَّ المال باقٍ على ملك صاحبه، ولم يوجد ما يقتضي انتقاله إلى البائع.
واختلف أهل العلم في حكم العربون الذي يدفعه المشتري للبائع، على قولين:
القول الأول: أنَّ بيع العربون محرَّم، وهو قول الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية، ورُوي عن ابن عباس والحسن البصري، وبه قال الثوري والأوزاعي والليث بن سعد وعبد العزيز بن أبي سلمة، وهو رواية عن أحمد اختارها أبو الخطاب من الحنابلة، وإليه ميل الموفَّق ابن قدامة.
واستدلوا بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو: ((أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع العربان)).
وهذا الحديث ضعيف لا تقوم به الحجة؛ فلا يصح الاحتجاج به على تحريم بيع العربون.
واستدلوا أيضًا بأنَّ في هذا البيع أكلًا لمال الغير بغير عوض؛ لأنَّ المشتري إذا عدل عن إتمام البيع أخذ البائع المال الذي دفعه المشتري، ولم يحصل في مقابله بيعٌ ولا عوض.
القول الثاني: أنَّ بيع العربون جائز، وهو مذهب الحنابلة، وبه قال عمر بن الخطاب وابنه رضي الله عنهما، وابن سيرين ومجاهد ونافع بن الحارث وزيد بن أسلم، واختاره العلامة ابن باز والعلامة ابن عثيمين، وأفتت به اللجنة الدائمة، وقرره مجمع الفقه الإسلامي.
وهذا القول هو الراجح، والله أعلم، لأمور:
الأول: أنَّ الأصل في المعاملات الحل والإباحة، فلا يُحكم بتحريم هذا النوع من البيوع إلا بدليل صحيح، والحديث الوارد في النهي عن بيع العربون ضعيف، فلا يصلح للاحتجاج به على التحريم.
الثاني: أنَّ في بيع العربون مصلحةً للطرفين؛ فالمشتري يحصل له حقُّ إمضاء البيع أو العدول عنه خلال المدة المتفق عليها، والبائع ينتفع بالعربون في مقابل حبس السلعة عن غيره، وانتظار إتمام البيع.
وقد يفوّت البائع بسبب حجز السلعة على المشتري فرصًا أخرى لبيعها، فإذا عدل المشتري بعد ذلك عن الشراء كان في استحقاق البائع للعربون جبرٌ لما فاته من ذلك.
الثالث: أنَّ العربون ليس مالًا يأخذه البائع بغير مقابل، بل هو بدلٌ عن التزام البائع بحجز السلعة للمشتري وإبقائها له خلال المدة المتفق عليها، مع تفويت فرص بيعها لغيره، فكان اشتراطه سائغًا إذا كان معلومًا للطرفين.
الرابع: أنَّ القول بالجواز تؤيده الآثار الواردة عن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله رضي الله عنهما، وعن جماعة من التابعين، ومع ضعف الحديث المرفوع في النهي عن بيع العربون يقوى جانب القول بالجواز.
وعليه؛ ففي الصورة المذكورة: إذا كان الرجل قد اتفق مع صاحب الأرض على شراء الأرض بمبلغ ثلاثة مليارات وثمانمائة مليون، ودفع له مئة مليون على أنها عربون، وكان الاتفاق بينهما أنَّ المئة مليون تُحسَب من الثمن إن تمَّ البيع، وأنَّها تكون للبائع إذا عدل المشتري عن إتمام البيع، ثم عدل المشتري بعد نحو عشرين يومًا عن الشراء؛ فلا يلزم البائع ردُّ المئة مليون، بل تكون من حقه؛ لأنَّ المشتري هو الذي عدل عن إتمام البيع، وهذا هو مقتضى الاتفاق الذي تراضيا عليه.
أما إذا كان المبلغ المدفوع مجرد دفعة مقدَّمة من الثمن، ولم يتفق الطرفان على أنَّه عربون يكون للبائع عند عدول المشتري عن إتمام البيع، فالأصل أنَّه يجب ردُّه إلى المشتري؛ لأنَّ المال باقٍ على ملكه، ولا ينتقل إلى البائع إلا بسبب معتبر، إلا إذا جرى العرف في مثل هذه المعاملات على اعتبار المبلغ المدفوع عربونًا، فيكون له حكم العربون.
والله تعالى أعلم.