السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا امرأة أمرّ ببعض الظروف والمشكلات التي أتعبتني كثيرًا. كنت أعيش حياة مستقرة في بيت أبي، ثم تغيّر كل شيء، وأصبحت أشعر أن حياتي مضطربة ومليئة بالهموم.
وأنا والله لا أعترض على قضاء الله وقدره، ولا أسخط على ما كتبه الله، لكن قلبي يتعب أحيانًا، وبعد مرور وقت طويل قد تغلبني الدموع فأبكي من شدة ما أجد، وليس ذلك بشكل مستمر أو كل يوم.
وأنا طالبة علم، وإن كنت كبيرة في السن، وأخشى أن يكون بكائي وتعب نفسي من التسخط على قدر الله. فهل مجرد الحزن والبكاء عند شدة البلاء يُعدّ من السخط على قدر الله؟ وهل يؤاخذ الإنسان على مشاعر الحزن التي لا يملكها، ما دام قلبه راضيًا بقضاء الله؟
الإجابة
مجرد الحزن والبكاء عند نزول المصائب لا يُعد سخطًا على قدر الله، ما دام الإنسان لا يعترض على حكم الله ولا يتسخط من قضائه، وإنما يجد في نفسه ألمًا وحزنًا بشريًا لا يملكه.
وقد دل على ذلك القرآن والسنة؛ قال الله تعالى عن يعقوب عليه السلام لما فقد يوسف: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف: 84]. فاشتد حزنه حتى ابيضّت عيناه من الحزن، ومع ذلك لم يكن ساخطًا على قضاء الله، بل كان صابرًا محتسبًا.
وكذلك بكى النبي ﷺ عند وفاة ابنه إبراهيم، وقال: "إِنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ، وَالقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلاَ نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ". متفق عليه عن أنس
فدل ذلك على أن حزن القلب ودمع العين لا ينافيان الرضا بقضاء الله.
والسخط المذموم هو اعتراض العبد على قضاء الله، أو التسخط منه، أو قول ما يدل على عدم الرضا بحكمه، أو فعل ما حرمه الله من النياحة ونحوها.
أما أن تتعب النفس من كثرة المشكلات، ثم تغلب الإنسان دموعه بعد مدة، فهذا لا حرج فيه إن شاء الله، ولا يؤاخذ العبد على مجرد المشاعر التي لا يملكها، وإنما العبرة بما يعتقده القلب وما يقوله الإنسان ويفعله.
بل إن خوفك من السخط وحرصك على معرفة حكم الله يدل على خير وحرص على سلامة قلبك، فلا تجعلي الشيطان يحول الحزن الطبيعي إلى وسواس وتأنيب للنفس.
فاصبري واحتسبي، وقولي عند البلاء: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، واعلمي أن الصبر لا يعني انعدام الحزن، وإنما يعني حبس اللسان والجوارح عما لا يرضي الله، مع الرضا بقضائه وحسن الظن به.
والله تعالى أعلى وأعلم.