الموقع الرسمي للشيخ أبي عبدالرحمن خليل الحمادي
الفتاوى · الأحكام · المسائل

ابحث عن الحكم، بوضوح وطمأنينة.

تصفح الفتاوى والمسائل العلمية المصنفة لتصل إلى الإجابات والمحتوى الذي تبحث عنه بسهولة ويسر.

← العودة إلى الفتاوى
رقم الفتوى #0037

السؤال

وفقكم الله شيخنا بدأت عادة غريبة تنتشر بين النساء عند الموت: اولا: يقمن أهل الميت بتوزيع القهوة مع التمر و قارورة ماء ويعتبره هذا الأمر صدقة للميت ثانيا: تقوم امرأة بوعظ النساء على الموت ثم تجعل تدعو المرات المتوفاة والنساء جميعا يقمن بالتأمين بصوت منخفض فما حكم ذلك افيدونا

الإجابة

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته: الجواب: هذه المسألة تحتاج إلى التفصيل بين أصل الفعل وبين تخصيصه بالموت والعزاء واتخاذه عادةً، وبيان ما ثبت عن النبي ﷺ وأصحابه رضي الله عنهم. أولًا: الاجتماع للعزاء أصل التعزية مشروع، فيُعزَّى أهل الميت، ويُدعى لميتهم، ويُسلَّى المصاب، لكن لا يُشرع اتخاذ اجتماع مخصوص للعزاء، بحيث يجتمع الناس عند أهل الميت لهذا الغرض، ويجعل ذلك عادةً متكررة عند كل وفاة. وقد ذهب إلى كراهة الاجتماع لأجل العزاء الشافعية والحنابلة وكثير من المالكية، وصرح بعض أهل العلم بالتحريم. وأقوى ما استدل به القائلون بالكراهة أمران: الأول: ما ثبت عن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه أنه قال: ((كُنَّا نَعُدُّ الاجْتِمَاعَ إِلَى أَهْلِ الْمَيِّتِ، وَصَنِيعَةَ الطَّعَامِ بَعْدَ دَفْنِهِ مِنَ النِّيَاحَةِ)). رواه أحمد وابن ماجه. فهذا الأثر يدل على أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يرون أن اتخاذ الاجتماع عند أهل الميت عادةً للعزاء، مع تكليف أهل الميت بصناعة الطعام، من الأمور المنكرة. والثاني: أن هذا الاجتماع بهذه الصورة لم يكن من هدي النبي ﷺ ولا من هدي أصحابه رضي الله عنهم، فلم يكونوا يجلسون في بيوت أهل الميت ويجتمع الناس عندهم للعزاء على هيئة مجالس مخصوصة. قال الإمام الشافعي رحمه الله: ((وأكره المأتم، وهي الجماعة، وإن لم يكن لهم بكاء، فإن ذلك يجدد الحزن، ويكلف المؤنة مع ما مضى فيه من الأثر)). الأم (1/318). وقال النووي رحمه الله: ((أما الجلوس للتعزية، فنص الشافعي والمصنف وسائر الأصحاب على كراهته... قالوا: بل ينبغي أن ينصرفوا في حوائجهم، فمن صادفهم عزاهم، ولا فرق بين الرجال والنساء في كراهة الجلوس لها)). المجموع (5/306). وقال المرداوي رحمه الله: ((ويكره الجلوس لها، هذا المذهب، وعليه أكثر الأصحاب)). الإنصاف (2/565). وقال أبو بكر الطرطوشي رحمه الله: ((قال علماؤنا المالكيون: التصدي للعزاء بدعة ومكروه، فأما إن قعد في بيته أو في المسجد محزونًا من غير أن يتصدى للعزاء فلا بأس به)). الحوادث والبدع (ص 170). وبهذا أفتى الشيخ ابن عثيمين رحمه الله، فقال: ((بالنسبة لأهل الميت لا يشرع لهم الاجتماع في البيت وتلقي المعزين؛ لأن هذا عده بعض السلف من النياحة، وإنما يغلقون البيت، ومن صادفهم في السوق أو في المسجد عزاهم)). مجموع الفتاوى (17/103). وعليه، فمجرد تعزية أهل الميت جائزة ومشروعة، ولا يشترط أن تكون في بيتهم، بل من وجدهم في المسجد أو الطريق أو المقبرة أو غير ذلك عزاهم، ثم ينصرف، ولا يجعل لذلك مجلسًا مخصوصًا. ثانيًا: توزيع القهوة والتمر والماء إذا قدم على أهل الميت أضياف من أماكن بعيدة، فقدموا لهم القهوة والتمر والماء من باب الضيافة العارضة وإكرام الضيف، فلا حرج في أصل ذلك؛ لقول النبي ﷺ: ((مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ))، متفق عليه. أما إذا كان أهل الميت يتكلفون إعداد القهوة والتمر والماء للناس المجتمعين عندهم بسبب الوفاة، ويتخذون ذلك عادةً ملازمة للعزاء، أو يعتقدون أن تخصيص هذه الأشياء بهذه المناسبة صدقة مخصوصة عن الميت أو سنة تتعلق بالوفاة، فهذا لا أصل له في السنة، وهو داخل في المحذور الذي أنكره السلف. وقد جمع أثر جرير رضي الله عنه بين الأمرين، فقال: ((كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنيعة الطعام بعد دفنه من النياحة)). فالمحذور في هذا الأثر ليس مجرد الطعام في ذاته، وإنما اجتماع الناس عند أهل الميت، وتكليف أهل الميت بصناعة الطعام لهم. والسنة على العكس من ذلك؛ أن يُصنع الطعام لأهل الميت، وأن يُعانوا ويُخفف عنهم، فقد قال النبي ﷺ لما جاء خبر موت جعفر رضي الله عنه: ((اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم أمر شغلهم)). فالسنة أن يقوم الأقارب والجيران وغيرهم بإعداد الطعام لأهل الميت؛ لأن المصيبة شغلتهم، لا أن يُحمَّل أهل الميت مؤونة إعداد الطعام للناس. ولهذا قال الشيخ ابن باز رحمه الله: ((لا يجوز لأهل الميت إقامة عزاء، يعني: إقامة مأتم بإيجاد الطعام، ودعوة الناس للأكل ونحو ذلك على حساب الميت، أو على حساب أيتام الميت، أو على حسابهم هم، كل ذلك لا يجوز؛ لأنها من أمر الجاهلية)). وعليه، فإن كان تقديم القهوة والتمر والماء ضيافة عارضة لمن قدم من مكان بعيد، من غير إقامة مجلس للعزاء ولا اعتقاد خصوصية لهذه الأشياء، فلا حرج في أصل ذلك. أما اتخاذها عادة لازمة مرتبطة بالوفاة والعزاء، وتكلف أهل الميت إعدادها للناس المجتمعين عندهم، فلا ينبغي فعله، وهو مخالف لهدي السلف. وأما من أراد الصدقة عن الميت، فالصدقة عنه مشروعة في أصلها، لكن لا يجوز تخصيصها بهذه الصورة أو بهذا الوقت أو بهذا النوع من الطعام على أنه سنة أو قربة مخصوصة؛ لأن تخصيص العبادات يحتاج إلى دليل. ثالثًا: الموعظة والدعاء للميت وتأمين النساء أما أن تقوم امرأة بتذكير النساء بالموت والآخرة، ثم تدعو للميت وللمسلمين، وتؤمِّن النساء على دعائها، فأصل الوعظ والدعاء والتأمين مشروع في نفسه إذا خلا من المحاذير. لكن الإشكال يكون في تخصيص ذلك بالوفاة، والاجتماع عليه عند أهل الميت، وجعله هيئة ثابتة من هيئات العزاء، بحيث يصبح عادةً متكررة كلما مات أحد؛ لأن تخصيص العبادة بوقت أو مكان أو هيئة معينة يحتاج إلى دليل. ولم يثبت عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه رضي الله عنهم أنهم كانوا يجعلون للنساء مجلسًا مخصوصًا بعد الوفاة، تقوم فيه امرأة بالوعظ ثم يدعو الجميع للميت ويؤمِّنون على دعائها. فلا يقال إن مجرد الموعظة أو الدعاء للميت بدعة، وإنما المنكر هو تخصيص هذه الصورة بالوفاة واتخاذها من مراسم العزاء المعتادة. الخلاصة التعزية مشروعة، والدعاء للميت مشروع، والصدقة عنه مشروعة، وإكرام الضيف مشروع؛ لكن لا ينبغي تحويل هذه الأمور إلى مراسم وعادات مخصوصة عند الوفاة. فلا يُشرع لأهل الميت أن يعقدوا مجالس مخصوصة للعزاء، أو يتكلفوا إعداد القهوة والتمر والماء والطعام للناس المجتمعين عندهم، ويجعلوا ذلك عادة ملازمة للوفاة؛ لأن السلف كانوا يعدون الاجتماع إلى أهل الميت وصنيعة الطعام بعد دفنه من النياحة. والسنة أن يُعان أهل الميت، ويُصنع لهم الطعام، ويُدعى لميتهم، ويُعزَّون من غير تكلف ولا اجتماع مخصوص ولا التزام بهيئة لم تثبت عن النبي ﷺ وأصحابه. والله تعالى أعلم.
● مباشر /
إذاعة القرآن الكريم من بني حماد