السؤال
شخص يريد الزواج من ابنة عمه، وعنده أخت فيها مرض تكسُّرات بالدم، وخائف أن يكون هناك مرض وراثي، فكيف يفعل؟
الإجابة
الأصل في الزواج من الأقارب الجواز والإباحة، ولا يوجد في الشرع نهي عام عن الزواج من بنات العم أو غيرهن من القريبات. بل قال الله تعالى في ذكر من أحلَّهن للنبي ﷺ:
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاَّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ اللاَّتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ [الأحزاب: 50].
وثبت أن النبي ﷺ زوَّج ابنته فاطمة رضي الله عنها من علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهما ابنا عم.
وأما ما يُذكر من حديث: ((لا تنكحوا القرابة القريبة، فإن الولد يخلق ضاويًا))، فلا يصح عن النبي ﷺ.
قال ابن حجر في التلخيص الحبير (3/ 304) عند الكلام على تخريجه: قال ابن الصلاح: "لم أجد لهذا الحديث أصلًا معتمدًا". ا. هـ وقد تابع ابن الصلاح في ذلك ابن الملقن والعراقي والألباني.
وقال السبكي: "فينبغي أن لا يثبت هذا الحكم لعدم الدليل، وقد زوج النبي صلى الله عليه وسلم عليا بفاطمة رضي الله عنها وهي قرابة قريبة". ا. هـ انظر "مغني المحتاج" (4/206) .
وقال العلامة الألباني في الكلام على الحديث: "لا أصل له مرفوعاً ، وقد اشتهر اليوم عند متفقهة هذا الزمن ودكاترته ، الذين لا يتقون الله في طلابهم ، فيلقون عليهم من الأقوال والآراء ما لا حجة عليه ولا برهان ، ومن الأحاديث ما لا سنام له ولا خطام ، وما لا أصل له من كلامه عليه الصلاة والسلام ، كهذا الحديث ؛ فإني سئلت عنه مراراً من بعض طلابهم" انتهى من "السلسلة الضعيفة" (5365) .
وقد ذكر بعض الفقهاء استحباب الزواج من غير القريبات لأسباب أخرى، كاتساع دائرة التعارف والتعاون بين الأسر، أو خشية أن يؤدي الطلاق إلى قطيعة الرحم، أو ما يذكر من مصلحة تتعلق بالذرية، لكن ليس معنى ذلك أن الزواج من القريبة مكروه شرعًا أو أن فيه ضررًا لازمًا.
وعليه، فمجرد الخوف من الأمراض الوراثية لا ينبغي أن يكون سببًا لاعتقاد تحريم زواج الأقارب أو المنع منه شرعًا، ولا ينبغي كذلك أن يترك الإنسان الزواج من قريبته لمجرد وهم أو تخوف لا يستند إلى سبب طبي معتبر.
لكن إذا كان الرجل متخوفًا حقيقةً وبقي الخوف في نفسه ولم يطمئن، فله أن يترك الزواج منها ويتزوج من غير الأقارب؛ حتى لا يبقى هذا التخوف في قلبه بعد الزواج، فيتحول مع مرور الوقت إلى قلق ونكد ومشكلات بين الزوجين.
ولا يعني الزواج من غير الأقارب أن الإنسان قد ضمن السلامة من الأمراض الوراثية؛ فالأمر كله بيد الله سبحانه وتعالى، وقد توجد الأمراض الوراثية في غير الأقارب كما توجد في الأقارب، وإنما المشروع أن يأخذ المسلم بالأسباب المعتبرة شرعًا وطبيًّا، ثم يتوكل على الله.
فالخلاصة: الزواج من بنت العم جائز، ولا يوجد دليل صحيح يمنع منه أو يثبت أنه سبب حتمي لضعف الذرية، فإن وجدت فحوص طبية معتبرة تدل على خطر معين فليُنظر في الأمر بحسب نسبة الخطر، وإن لم يوجد إلا مجرد الخوف والوسواس فلا ينبغي الالتفات إليه.
والله تعالى أعلم.