قال ابن القيم في كتابه الفوائد (ص: 88): ((مراتب الشكوى ثلاثة: أخسُّها: أن تشكو الله إلى خلقه، وأعلاها: أن تشكو نفسك إليه، وأوسطها: أن تشكو خلقه إليه)). ا. هـ
وهذه كلمة بديعة في بيان أحوال الناس عند نزول البلاء؛ فالعبد إذا نزل به ما يكره لا يخلو من أن يتوجه بشكواه إلى أحد ثلاثة: فإن جعل شكواه من الله إلى الخلق، فتسخَّط على قضائه، وتبرَّم من قدره، وأظهر للناس ما يكره من فعل الله به، فهذه أخسُّ المراتب؛ لأنها شكوى الخالق إلى المخلوق، مع أن الله سبحانه حكيم رحيم، لا يقضي لعبده إلا ما فيه الحكمة.
وأما أن يشكو الخلقَ إلى الله، فيذكر ما ناله من ظلم أو أذى، ويلجأ إلى ربه يسأله كشف الضر، وردَّ الحق، والنصر على من ظلمه، فهذه مرتبة وسطى، وهي من اللجوء إلى الله والاستعانة به، وقد قال يعقوب عليه السلام: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾.
وأما أعلى المراتب، فهي أن يشكو نفسه إلى الله؛ فيرى تقصيره وضعفه وعجزه، ولا يجعل البلاء همه الأول، بل ينظر إلى ما يحتاج إليه قلبه من إصلاح وهداية، فيقول بلسان حاله: يا رب، أنا الضعيف وأنت القوي، وأنا العاجز وأنت القادر، فأصلحني وأعنّي ولا تكلني إلى نفسي. فهذه الشكوى تجمع كمال الافتقار إلى الله، وحسن الأدب معه، والرجوع إليه في كل حال.
← العودة إلى الفوائد والأخبار
من أقوال شيخنا